هشاشة الحدود في شرق المتوسط: تحديات مستمرة وفرص واعدة

د. عبد القادر نعناع

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الشام العالمية، والمستشار السياسي للحركة الوطنية السورية

تشهد منطقة شرق المتوسط، تحديات أمنية مستمرة، مرتبطة بكثير من العوامل، مُنتِجة تداعيات على كامل الإقليم، ومنه سيولة أو هشاشة الحدود داخل المنطقة، وتحوّلها إلى مساحات لإدارة النفوذ والتهريب وحركة السلاح والمقاتلين. ومما يعقّد هذا الإشكالية تعدّد الفاعلين المحليين والخارجيين ذوي المصالح المرتبطة بتلك الهشاشة، ما يوجب على دول المنطقة ابتكار خطط أمنية جديدة، وتطوير مؤسساتها المشتركة، ومصالحها المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرّات دولية للطاقة والتجارة العالمية.

وتقع سورية في قلب هذه الهشاشة الحدودية، باعتبارها حلقة الوصل بين كافة دول شرق المتوسط من جهة، والعراق والخليج وتركيا من جهة ثانية، أي أنها معنية مباشرة بالتهديدات الأمنية في المنطقة، وبالفرص الواعدة في الممرات الدولية.

عوامل هشاشة الحدود

كثيرة هي عوامل هشاشة الحدود في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من مشكلة تراجع سيادة بعض دول الإقليم، مروراً بالتدخلات الإقليمية والدولية، إلى جانب عوامل جغرافية واقتصادية. ستزداد هذه المشكلة مع الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي ساهم في توسيع حركة المقاتلين الأجانب والإرهابيين (جزء منها بإشراف من دول المنطقة ذاتها) للتنقل عبر الحدود التي ما عادت مضبوطة.

لكن تداعي هذه الحدود، سيصبح أكثر إشكالية بعد الثورة السورية، التي أفقدت الحكومة السورية كثيراً من سيادتها على هذه الحدود، في الاتجاهات جميعها، وأتاحت للعديد من دول الإقليم التدخل عبر وكلائها أو بشكل مباشر لتحقيق مشاريعها. عدا عن أنّ هذا الفراغ أتاح للجماعات الإرهابية، والميليشيات الأجنبية، والتجارة غير الشرعية، والنزعات الانفصالية ذات البعد القومي، بل وحتى بعض الدول الإقليمية والقوى الدولية، الحركة بشكل أكثر يسراً.

وبما أن الحدود السورية مشتركة مع كافة دول الإقليم، فإن المشكلة تزداد تعقيداً، حيث أن لكل جزئية منها خصوصيته، إذ تفرض تركيا رقابة صارمة على حدودها مع سورية بناء على مخاوف أمنية تدفعها للتحرك داخل الأراضي السورية، فيما تبدو الحدود العراقية مع سورية أكثر تحدياً نتيجة طولها من جهة، ووجود الجماعات الإرهابية والميليشيات على جانبي الحدود في بعض تلك المناطق الصحراوية. وتبقى الحدود السورية اللبنانية الأكثر اضطراباً، نتيجة عدم استكمال الترسيم في بعضها، ووعورتها الجبلية، وتداخلها السكاني، وطالما كانت معابر مهمة لميليشيا حزب الله لحركة المقاتلين وتهريب السلاح تحت رعاية نظام الأسد وإيران. فيما تبدو الحدود الأردنية الأقل إشكالية، لكنها أيضاً تشهد حركة لتجار المخدرات باتجاه دول الخليج العربي. بدروه، يساهم الاحتلال الإسرائيلي لمناطق حدودية سورية في تحفيز حركة الجهاديين بدوره. أي أن طول الحدود وطبيعتها الجغرافية، إلى جانب طبيعة النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط تفرض ذاتها كتحدٍ أمني حقيقي، وهذا ما يجعل ضبط هذه الحدود تحدياً أمنياً يحتاج إلى معالجات فعّالة.

إدارة هذا التحدي، تتطلب كثيراً من العوامل، ربما من أبرزها استقرار حكومات المنطقة وقدرتها على فرض سيادتها على هذه الحدود، على أن يترافق ذلك بترسيمها بشكل كامل، وتشكيل لجان أمنية إقليمية مشتركة قادرة على تبادل المعلومات الأمنية حول التهديدات المحتملة، وتسيير دوريات مشتركة، واستخدام تقنيات مراقبة حديثة. وهناك عوامل أخرى، تبقى مهمة، وخصوصاً المتعلقة بتنمية المناطق الحدودية وتطوير اقتصاداتها، لدفعها بعيداً عن التجارة غير الشرعية.

حدود غير مسيطر عليها، وفاعلون متعددون

تعتبر هاتان المشكلتان مترابطتين، فرغم توسيع السلطة السورية الانتقالية سيطرتها على غالبية الأراضي السورية، إلا أن جزءاً من تلك المناطق ما يزال خارج سيطرتها، مع افتقارها لتعاون إقليمي شامل، وقدرات تقنية وعسكرية متطورة لإدارة الحدود. ومن جهة أخرى، تبرز مشكلة تعدّد الفاعلين كعامل أقل مما كان عليه قبل عام 2024، إذ ما تزال تركيا تمتلك حرية في التحرك العسكري على امتداد جزء مهم من الحدود الشمالية من جهة (بالتنسيق مع السلطات السورية)، فيما تقع مسؤولية ضبط الحدود في بعض المناطق الشرقية ضمن ترتيبات أمنية مشتركة مع قسد، ما يتطلب استكمال دمج البنى الأمنية والعسكرية بين الطرفين.

ارتباط هذين العاملين معاً، يعقّد مشكلة الحدود، ويضع عبئاً أكبر على السلطات السورية الانتقالية، إذ يحتاج الأمر في الأساس إلى إدارة سورية موحدة قادرة على تطبيق برنامج متكامل.

يرتبط هذان العاملان أيضاً، لناحية ضرورة التنسيق مع دول الجوار لمواجهة التحديات المشتركة والمتمثلة في شبكات التهريب والجماعات المسلحة والاقتصاد غير الرسمي وسواها من التحديات التي تضعف قدرة السلطات السورية على ضبط حدودها.

قيود التنافس الدولي في شرق المتوسط

تبقى الجغرافيا السورية مجالاً لتقاطع النفوذ الإقليمي أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وخصوصاً أن منطقة شرق المتوسط ما تزال تشهد نزاعات إقليمية غير محسومة، تستخدم هذه الجغرافيا لفرض مشاريعها الإقليمية، ما يحمّل السلطات السورية أعباء إضافية في ضبط هذه الحدود.

ويمكن للخطط الأمنية الإقليمية المساهمة في ضبط حدود المنطقة، وإن كانت بحاجة إلى مزيد من التطوير من جهة، والتعاون الإقليمي من جهة أخرى. لكنها قد لا تستطيع إنهاء التدخلات الدولية التي تفرض على المنطقة أن تكون ساحة للتنافس والنزاع الإقليمي والدولي. وذلك يبدو أكثر إشكالية، حيث إن الجغرافيا السورية تقع بين مشاريع متنافسة (تركيا، إسرائيل، الولايات المتحدة، روسيا، مع تراجع إيراني واضح)، ما يجعل سورية ولبنان عموماً، ساحة للتنافس الإقليمي، عدا عن سياسات إسرائيل التوسعية المستمرة في كلتا الدولتين.

صحيح أن إعادة بناء المؤسسات السورية سيمنح السلطات السورية مزيداً من القدرة على إدارة ملفاتها الحدودية، لكن المنطقة بأسرها ما تزال في قلب التنافس الخارجي، والذي يمتلك العديد من أطرافه وكلاء داخل هذه الجغرافيا، ما يجعل مستقبل المنطقة بدوره مرتبطاً بمسارات هذا التنافس (سلمي، نزاع عبر الوكلاء، نزاع مباشر، إعادة رسم الجغرافيا)، وهو مستقبل على المدى المنظور، متعلق بتطورات التصعيد العسكري الأمريكي-الإيراني، التي قد يعقبها العودة إلى شرق المتوسط، لفرض أشكال جديدة من النفوذ فيه.

أي أن تفكيك شبكات النفوذ، أمر مرتبط بفرض السيادة وإعادة بناء المؤسسات، لكنه مرتبط كذلك بالتنافس الدولي في الإقليم. هذا التنافس الذي بدأ يأخذ أشكالاً عدة، منها تنافس الهيمنة السياسية والعسكرية، وأخرى تتعلق بالتنافس على ممرات الطاقة والتجارة، وثالثة على إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي.

ختاماً، وفيما تتعدد العوامل التي تشكّل تهديداً أمنياً مستمراً في المنطقة، سواء لناحية ضعف بعض حكوماتها، أو غياب التنسيق المشترك بينها، أو تعدد الفاعلين الدوليين ودون الدولتيين، واستمرار نزاعات الهيمنة فيما بينهم في المنطقة، إلا أن الفرص المستحدثة في تحويل المنطقة إلى ممرات دولية للتجارة العالمية وللطاقة، قد تشكل حافزاً مهماً لحكومات المنطقة وشركائهم الدوليين، في ضبط تلك الحدود وتنميتها، لكن هذا يتطلب مستويات عليا من الضبط، وفي المقام الأول إرادة سياسية مشتركة بين دول الإقليم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *