أ.أحمد شميس
أقسمُ لكِ ــ وما عرفتُ في الحبِّ يمينًا أصدقَ من ارتجافةِ قلبي حين يمرُّ اسمُكِ فيه ــ أنني ما اتخذتُكِ حبيبةً عابرةً على أرصفة العمر، بل وطنًا أقمتُ فيه خيمتي الأخيرة، ورفعتُ فوق سمائه رايةَ انتمائي. أقسمُ أن حبَّكِ لم يكن نزوةَ عابرٍ استوقفه جمالُ الطريق، بل قدرًا نزل في دمي كما ينزل الضوءُ في شرايين الفجر، فصار جزءًا من تكويني، وصرتِ أنتِ الجهةَ التي تتجه إليها روحي كلما تاهت الجهات.
وأقسمُ أن قلبي ما زال يحملُ اسمكِ كما تحملُ الأشجارُ أعشاشَها المهجورة؛ لا تُسقطها الرياحُ مهما تعاقبت الفصول. فإن ابتعدتِ، ازددتُ اقترابًا منكِ بالحنين، وإن أوصدتِ أبوابَكِ، فتحتُ لكِ في صدري ألفَ نافذةٍ من الدعاء والوفاء. وما الهجرُ عندي إلا مسافةٌ تعجزُ عن إقناع نبضي بأنكِ غبتِ؛ فكلُّ ما فيَّ ما زال يُقيمُكِ في مقام الحضور، ويُرتِّلُكِ سرًّا كما يرتلُ الناسُ صلواتِهم في الليالي الموحشة.
وأقسمُ أنني أنتمي إلى قلبكِ انتماءَ النهرِ إلى منبعه، وانتماءَ الظلِّ إلى شجرته، وانتماءَ النجمةِ إلى ليلها. لستُ أبحثُ عن بديلٍ لكِ، لأن البدائلَ تُطلب للأشياء، وأنتِ عندي معنى. والمعاني العظمى لا تُستبدل، بل تُحمل في الروح كما تُحمل الأوطانُ في المنافي. لذلك ما زلتُ أقيمُ فيكِ وإن أقمتِ بعيدًا عني، وما زلتُ أراكِ في تفاصيل الأيام كما يرى البحرُ القمرَ في كلِّ موجةٍ وإن كان بينهما اتساعُ السماء.
وأقسمُ أخيرًا أن عشقي لكِ ثابتٌ كثباتِ الجبال في وجه العواصف، لكنه أكثرُ رقةً منها؛ لأن الجبلَ لا يشعر، أما أنا فأشعر بكلِّ غيابٍ منكِ كأنَّ العمرَ يُنتزعُ من أطرافه. فإن اخترتِ الهجرَ، بقيتُ وفيًّا. وإن طال البعدُ، بقيتُ منتظرًا. وإن أصررتِ على الرحيل، بقي حبُّكِ في دمي يقاومُ النسيان كما تقاومُ زهرةٌ وحيدةٌ زحفَ الشتاء. فبعضُ العهودِ لا تُكتبُ بالحبر، بل تُنقشُ على جدار القلب، وحبُّكِ عندي واحدٌ من تلك العهود التي لا يملك الزمنُ أن يمحو منها حرفًا واحدًا.
