د معتز محمد زين
تصلني يوميا من صديق لي مقالات ومقاطع مصورة يلتقطها من مواقع و مجموعات كبيرة على وسائل التواصل تتكلم بأسلوب تحريضي عن الواقع السوري الجديد بعد التحرير . قال لي صديقي أنه مشترك بعدد كبير من المجموعات المغلقة والمفتوحة التي تضم معظمها أعدادا وفيرة من المتابعين وتنشر بشكل يومي ومركز كل الاخبار التي تتناول الوضع السوري بشكل سلبي ، وأنه يرسل لي هذه المقاطع للاطلاع والرد بما يلزم ، لأنه يعرف مدى اهتمامي بالشأن العام و الواقع السوري الجديد ..
في البدء لم أهتم كثيرا بهذه المقاطع ، ولكن بالتدريج ومع الاطلاع المتزايد على محتواها فوجئت بكم القصص والسرديات والمقالات التي يتم نشرها بشكل احترافي أحيانا وبأقلام متمكنة والتي تلتقط بعض الاحداث – وأحيانا تختلقها – ثم تضخمها وتعيد هيكلتها وتوظفها من أجل نزع الثقة بالقيادة الجديدة وزرع بذور الحقد والكراهية واليأس والإحباط لدى شريحة من الشعب السوري ..
شخصيا لا استغرب وجود مثل هذه المجموعات التي تحاول استقطاب أكبر عدد من الشعب السوري والتأثير على تصوراتهم ورؤاهم وبالتالي قراراتهم وآرائهم ، من جهة لوجود مجموعة من القوى الدولية والإقليمية والمحلية التي تعمل ليل نهار لإفشال القيادة الجديدة ( بسبب خلفيتها الإسلامية ، أو كونها نتاج ثورة حقيقية ناجحة ، أو كونها تقدم نموذجا مختلفا عن نماذج الحكم المزمنة في المنطقة ، او استجابة لرغبة الكيان الصهيوني …. الخ ) ، ومن جهة أخرى لوجود أعداد ضخمة من أيتام إيران والأسد فقدوا امتيازاتهم ومواقعهم وسلطاتهم وأحبطت مشاريعهم ومخططاتهم على يد هذه القيادة ، لذلك اجتمعت مصالح الجهتين ووجدوا في الساحة الإعلامية متسعا لحراكهم ومتنفسا لغيظهم بعد أن فقدوا القدرة على تحريك الساحة الأمنية والعسكرية ..
لك أن تتخيل بعض النماذج التي تستخدمها القوى المتربصة بسوريا الجديدة :
- ضابط كبير ملاحق أمنيا بسبب جرائمه السابقة ، فقد وظيفته ، والأهم أنه فقد هيبته التي شكلت مع الزمن جزءا من شخصيته ، فقد تعود أن يرتجف الجنود ويقفوا باستعداد عند قدومه أو سماع صوته و ها هو اليوم يجلس في بيته بلا عمل ولا هيبة إلى درجة استخفاف زوجته وأولاده به وتجاهلهم لصراخه الهستيري ..
- متسلق طفيلي بنى شبكة من العلاقات مع رجال الامن والسياسة حققت له مجموعة من الامتيازات دفعته للتعالي على أبناء مجتمعه ، فقدها اليوم بضربة واحدة وعاد إلى حجمه الحقيقي .
- شخصية نافذة مرتبطة بمراكز القوى الأسدية تعوَد عندما يخرج من بيته أن يرى ملامح الخضوع والطاعة والخوف والتزلف على وجوه جيرانه وأبناء حيه ، واليوم يسخرون منه وربما يبصقون في وجهه كلما خرج من بيته ……….. وهكذا
لك أن تتخيل درجة الغيظ والاحتقان والغليان في صدور هؤلاء – وأمثالهم – من أيتام الأسد والذين لا يجدون متنفسا لغيظهم إلا عبر الاعلام التحريضي ، الأمر الذي استغلته الجهات الإقليمية والدولية التي تحاول افشال التجربة السورية وعملت على توظيفه في خدمة أهدافها ..
ما يعنيني من المسألة هو الأسلوب الذي يتحتم على قيادة سوريا اليوم اتباعه تجاه هذه المشاريع والمخططات ، فحتى اليوم تتعامل القيادة بطريقة : تكلموا كما تريدون فنحن مشغولون بالعمل والبناء ، انجازاتنا ترد على ادعاءاتكم .. وهي طريقة جيدة وراقية ولكنها حسب اعتقادي لا تكفي ، وهذا بالتحديد ما دفعني لكتابة هذه المقالة .
يعتبر الاعلام اليوم سلاحا خطيرا وفعالا وعابرا للحدود ، والحرب الإعلامية ليست أقل أهمية من الحرب العسكرية والسياسية والاقتصادية ، فهي في العمق حرب العقول والمشاعر والتصورات والرأي العام ..
يمكن للإعلام الموجه أن يعمل على تفكيك الدولة من الداخل واسقاط مؤسساتها وإثارة الفوضى بين مكوناتها عبر وسائل عديدة أذكر ما استحضره منها : - اذكاء النعرات الطائفية والعرقية والمناطقية لتقسيم المجتمع إلى معسكرات متصارعة .
- صناعة اليأس وفقدان الثقة عبر التركيز الهادف على الأخطاء والعثرات المرافقة لأي عملية بناء ، وعبر توجيه الرأي العام المتكرر نحو الخدمات التي لم يتم ترميمها وتأمينها بشكل كاف حتى الآن .
- الشيطنة الممنهجة للرموز والقيادات من أجل فك عقدة الارتباط بين الشعب والقيادة التي حررته من حكم الأسد الاستبدادي الطائفي وخلق فجوة نفسية بينهما ..
- الصاق الفشل بالمؤسسات المهمة بالبلد بهدف زرع الإحباط في النفوس وضرب الروح المعنوية للناس واشعارها بعدم حدوث أي تغيير بعد التحرير ( ما تغير شيء ) .
- إعاقة التقدم الاقتصادي عبر ضخ أخبار ومعلومات تثير مخاوف المستثمرين وتمنعهم من دخول السوق بقوة ..
- التضليل الإعلامي واقتطاع الحقائق من سياقها ، وهندسة الاشاعات وتوظيفها بما يخدم اثارة الفوضى واحداث فجوة بين القيادة والمجتمع ، بين المؤسسات والناس ، بين الطوائف والأعراق ، بين المناطق ، بين الريف والمدينة … الخ وكله بهدف تفكيك المجتمع وتركه في حالة احتقان مستمر حتى يسهل اختراقه وتوجيهه في اللحظة المناسبة .
تعمل هذه الآلة الإعلامية الضخمة بهدوء وخبث و إصرار للوصول إلى هدفها ، تماما كتيار مائي هادئ ينخر القواعد حتى ينهار الجبل فجأة .. لا يمكن لقطرات الماء أن تفلق الصخر بقوتها بل بتكرارها ، كذلك الاعلام الموجه ، لا يمكنه تغيير قناعات الناس بشكل مفاجئ ، وإنما عبر ضخ إعلامي يومي متواصل يعيد صياغة المفاهيم وبناء التصورات وتوجيه المشاعر وتكوين رأي عام سلبي حتى تتآكل الثقة بالقيادة والمؤسسات شيئا فشيئا وتصبح جاهزة للانهيار عبر ضربة قاضية قوية يتم الاعداد لها من أعداء البلد وكارهي الثورة ..
إن اسقاط الأنظمة يبدأ بتغيير القناعات والتصورات ، وإعادة رسم الخارطة الذهنية للشعوب ، فتتغير عنده الأولويات ، وتفقد المقدسات حرمتها ، ويخبو بريق القيادات والرموز ، وتتبدل نظرته للمسائل ، ويصبح من حيث لا يدري قنبلة موقوتة جاهزة للانفجار بمجرد توفر الشرارة اللازمة والتي يعدها المتربصون لهذه البلد وما أكثرهم .
لذلك كان من الواجب على القيادة السورية الجديدة تشكيل جيش الكتروني منظم وذي كفاءة من أجل كشف التضليل ، وتقديم المعلومات الدقيقة بشفافية ، وسد الثغرات التي يتسلل منها أعداء البلد ، ونشر الوعي بخطورة الاعلام المغرض بين أفراد المجتمع ، وتصحيح التصورات والمفاهيم ، ومن ثم الانتقال إلى مرحلة الاعلام المبادر لا المدافع ، الاعلام الذي يصنع التصورات بدل تصحيحها ، و الذي ينشر الحقائق بدل الإشارة إلى طرق تزييفها ..
إن حماية الدولة لا يقتصر على حماية حدودها الجغرافية، وإعادة بناء مؤسساتها، وتقوية اقتصادها، وإنما أيضا حماية الوعي العام وتصحيح المفاهيم وزرع الثوابت لأن المواطن الذي يمتلك صورة مشوهة ووعيا زائفا عن بلده وقيادته يتحول من دون قصد إلى أداة داخلية لتقويض الدولة وتفكيك المجتمع، والتعامل مع التهديد الداخلي أصعب بكثير وأكثر كلفة من التعامل مع التهديدات الخارجية في دولتنا الجديدة التي ولدت من رحم أهم ثورة في العصر الحديث ..

