أ. ثريا بشماف
كثيراً ما تُختزل السياسة في الانتخابات، والبرلمانات، والأحزاب، وخطابات المسؤولين، حتى ترسّخ في الوعي العام أن السياسة تبدأ عندما يدخل الإنسان الحياة العامة، لكن هذا التصور يُغفل حقيقةً أكثر عمقاً، وهي أن البرلمان يشكّل المكان الذي تظهر فيه نتائج ما تصنعه السياسة، أمّا بدايتها الحقيقية فتتشكل في المدرسة، حيث تتكون طريقة التفكير، وتُبنى علاقة الفرد بالقانون، ويكتسب أول تصوراته عن السلطة، والاختلاف، والمسؤولية، والمصلحة العامة المُرجاة..
وإنّ السياسة في ذلك تؤخَذ من انعكاس للبنية الذهنية للمجتمع، فالمجتمع الذي يتعلم منذ طفولته احترام النظام، وقبول التنوع، والعمل الجماعي، والتفكير النقدي، سيعيد إنتاج هذه القيم لاحقاً في مؤسساته السياسية.. أما المجتمع الذي ينشأ على الطاعة المطلقة، أو الإقصاء، أو الخوف من الاختلاف، فلن يستطيع إنتاج حياة سياسية صحيّة مهما تغيرت النُخب أو تبدلت الدساتير..
ومن هنا يمكن صياغة قاعدة منهجية مهمة في تحليل النظم السياسية، وهي أن أي النتيجة النهائية لعملية تربوية وثقافية طويلة، هي عملية سياسية خالصة، فما نراه في البرلمان ليس إلا صورة مكبرة لما حدث قبل عشرين عاماً داخل الصفوف الدراسية، وما نلاحظه في أداء المؤسسات ليس إلا امتداداً للطريقة التي تعلم بها المواطن أن يفكر ويتحاور ويتخذ القرار..
ولهذا فإن أي مشروع للإصلاح السياسي يغفل إصلاح التعليم يظل مشروعاً يعالج النتائج ويترك الأسباب، فالقوانين يمكن تعديلها خلال أشهر، أما الثقافة السياسية فتُبنى عبر أجيال، ولهذا نجد أن كثيراً من الدول استطاعت أن تكتب دساتير متقدمة، لكنها لم تستطع بناء مؤسسات مستقرة، لأن النصوص القانونية سبقت استعداد المجتمع لاستيعابها..
والمدرسة هنا تكون المؤسسة الأولى لتشكيل الشخصية المدنية، ففيها يتعلم الطفل لأول مرة معنى العدالة عندما يرى تطبيق القواعد على الجميع، ويتعرف إلى قيمة الحوار عندما يُسمح له بإبداء رأيه، ويفهم معنى المسؤولية عندما يتحمل نتائج أفعاله، ويختبر قيمة التعاون عندما ينجح ضمن فريق لا بمجهوده الفردي وحده، هذه الخبرات الصغيرة هي اللبنات الأولى لما يسمى لاحقاً بالثقافة السياسية..
ومن منظور علم الاجتماع السياسيّ، لا تنتج المؤسسات السياسية سلوك المواطنين بقدر ما ينتج المواطنون طبيعة مؤسساتهم، فالمؤسسة ليست كياناً مستقلاً عن المجتمع، وإنما هي مرآة تعكس قيمه وأنماط تفكيره، لذلك فإن محاربة الفساد، أو تعزيز سيادة القانون، أو ترسيخ المشاركة المجتمعية تبدأ بإعادة بناء المنظومة التربوية التي تُنتج الإنسان القادر على حماية تلك التشريعات، تشريعاته هو فيما بعد…
إذن.. سؤالنا الحقيقي ليس: كيف نُصلح البرلمان؟ سؤالنا الحقيقي يقف عند باب وزارة التربية: كيف نُخرّج جيلاً يمتلك القدرة على إنتاج برلمان أفضل؟ فالنظام التعليمي الذي يشجع على الحفظ دون الفهم، وعلى الإجابة الواحدة دون التفكير، وعلى الامتثال دون المبادرة، يزرع في الأجيال أنماطاً ذهنية ستنتقل تلقائياً إلى الإدارة والاقتصاد والسياسة، أما التعليم الذي يدرب على التحليل، واحترام الدليل، وإدارة الاختلاف، وتحمل المسؤولية، فإنه يؤسس لرأس مال اجتماعي قادر على بناء دولة أكثر استقراراً وكفاءة، طبعاً هذا يعتمد على مدى تركيزنا في ذلك ضمن مناهج المدرسة..
وفي المرحلة التي تمر بها سوريا اليوم، تزداد أهمية هذا المنظور، فإعادة بناء الدولة تعني إعادة بناء الإنسان الذي سيدير المؤسسات التي تعززها، فالمدارس هي المصانع الأولى للمواطنة، وحواضن الثقافة العامة، والفضاء الذي تتشكل فيه علاقة الفرد بالدولة والمجتمع..
لذلك فإن الاستثمار الحقيقي في المستقبل من مقاعد الدراسة، وكل درس يعزز التفكير، وكل معلم يغرس قيمة الحوار، وكل مدرسة تربي على احترام القانون، تسهم –بصورة غير مباشرة– في بناء سياسة أكثر نضجاً، ودولة أكثر قدرة على الاستمرار، وعندما ندرك هذه الحقيقة، سنفهم أن إصلاح السياسة يبدأ من أول كتاب يفتحه طفل في مدرسته، لا من أعلى هرم السلطة، لأن السياسة في جوهرها حصيلة التربية التي صنعت المجتمع ككلّ..
وفي النهاية، علينا أن نسأل أنفسنا: كيف نُربي إنساناً صالحاً للحياة العامة؟ فالتعليم الحقيقي الذي نحتاج يستطيع أن يُخرّج مواطنين يعرفون معنى القانون قبل أن يطالبوا بتطبيقه، ويدركون قيمة الحوار قبل أن يخوضوا الخلاف، ويحترمون المصلحة العامة قبل أن يتنافسوا على السلطة..
وإن البرلمان حقيقةً يعكس صورة أخلاق المجتمع قبل أن يفكر بصناعتها، والسياسة لا تُصلح ما أفسدته التربية قبل أن تكشفه، لهذا، فإن كل درس يُعلِّم التفكير بدل التلقين، وكذلك كل معلم يغرس المسؤولية بدل الخوف، وكل مدرسة تبني شخصية مستقلة قادرة على الحوار، إنما يضع حجراً جديداً في أساس الدولة..
فإذا أردنا سياسة أكثر نزاهة، ومؤسسات أكثر كفاءة، فلنبدأ من المكان الذي تتشكل فيه العقول قبل أن تتشكل مواقف أناسها، فهناك، في الصفوف الدراسية، تُكتب المسودة الأولى لمستقبل الأوطان، وتُصاغ سياستنا الحقيقية قبل أن تصل يوماً إلى قاعات برلماننا، فالدولة تُكتب على السبورة قبل أن تُكتب في الدستور…

