خبير مستقل
أوليكساندر بوكاش
أصبح الأمن الغذائي خلال السنوات الأخيرة أحد أهم التحديات التي تواجه دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتعتمد معظم دول المنطقة بدرجات متفاوتة على استيراد الحبوب من الأسواق العالمية، الأمر الذي يجعل استقرار الإمدادات وشفافية التجارة الدولية وموثوقية الموردين عوامل ذات أهمية استراتيجية تتجاوز البعد الاقتصادي البحت.
ولسنوات طويلة، كانت أوكرانيا من أبرز مصدري الحبوب في العالم وشريكاً أساسياً للعديد من دول المنطقة. فقد ساهم القمح والذرة الأوكرانيان في تلبية احتياجات ملايين المستهلكين من مصر إلى دول الخليج العربي. ولهذا السبب، فإن التطورات الجارية اليوم حول صادرات الحبوب الأوكرانية تتجاوز إطار النزاع القائم بين أوكرانيا وروسيا لتصبح قضية ذات أبعاد دولية أوسع.
ووفقاً للبيانات التي أعلنتها السلطات الأوكرانية، نقلت روسيا خلال عام 2025 أكثر من مليوني طن من الحبوب من الأراضي الأوكرانية الواقعة تحت الاحتلال المؤقت. وتؤكد كييف أن هذه العمليات تمت باستخدام البنية التحتية لموانئ أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية بعد احتلال أجزاء من جنوب البلاد.
وتعتبر أوكرانيا هذه الممارسات انتهاكاً للقانون الدولي واستيلاءً غير مشروع على موارد الأراضي المحتلة. غير أن القضية لم تعد تقتصر على السجال السياسي، بل أصبحت مرتبطة بشبكة لوجستية واسعة تشمل سفناً وشركات وساطة ومؤسسات تأمين وأطرافاً تجارية في عدة دول.
وبحسب معلومات الجهات الأوكرانية المختصة، نفذت 25 سفينة نحو 50 رحلة بحرية بين يناير وأبريل 2025 انطلاقاً من موانئ مغلقة في الأراضي الأوكرانية المحتلة، ما أدى إلى نقل أكثر من 850 ألف طن من الحبوب. وتؤكد كييف أن السفن المشاركة في هذه العمليات وأصحابها والجهات المرتبطة بها أصبحت معروفة ومحل متابعة مستمرة.
وفي عالم يعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا الرقمية، بات من الصعب إخفاء مصدر شحنات الحبوب الكبيرة. فالأقمار الصناعية وقواعد البيانات البحرية وأنظمة التعرف الآلي على السفن وآليات التأمين الدولية توفر كماً هائلاً من المعلومات التي تسمح بتتبع مسار الشحنات من نقطة التحميل إلى وجهتها النهائية.
ورغم ذلك، ما زالت تُستخدم وسائل مختلفة لإخفاء المنشأ الحقيقي للحبوب. وتشمل هذه الوسائل نقل الشحنات بين السفن في عرض البحر، وتعديل الوثائق المرافقة، واستخدام شركات وسيطة، أو خلط الحبوب القادمة من مصادر مختلفة. وتُعد هذه الأساليب معروفة لدى شركات النقل البحري والمؤسسات التأمينية والجهات الرقابية الدولية.
ولهذا السبب لم تعد قضية الحبوب المنقولة من الأراضي المحتلة شأناً أوكرانياً داخلياً فقط. فأي جهة تشارك في نقل هذه الشحنات أو تأمينها أو شرائها قد تجد نفسها جزءاً من سلسلة ترتبط بانتهاكات محتملة للقانون الدولي أو بعقوبات قد تُفرض مستقبلاً.
ومن أبرز القضايا التي أثارت اهتماماً واسعاً قضية السفينة «ASOMATOS»، التي سُمح لها بتفريغ نحو 26.9 ألف طن من القمح في ميناء أبو قير المصري، وهي شحنة تقول أوكرانيا إنها نُقلت من أراضٍ أوكرانية محتلة. ووفقاً للمعلومات الأوكرانية، تم تزويد الجهات المختصة في مصر مسبقاً ببيانات تتعلق بمنشأ الشحنة والأسس القانونية التي تبرر التحقق منها.
كما تشير السلطات الأوكرانية إلى أن هذه الحادثة تمثل الحالة الرابعة منذ أبريل 2025 التي تصل فيها شحنات حبوب من الأراضي المحتلة إلى موانئ مصرية. وتكتسب هذه القضية حساسية خاصة نظراً للعلاقات التجارية الطويلة بين البلدين في مجال الحبوب.
وفي المقابل، ترفض روسيا هذه الاتهامات وتؤكد أن عمليات تصدير الحبوب تتم بصورة قانونية.
فقد ظلت مصر لسنوات من أكبر مستوردي القمح الأوكراني في العالم، وشكلت الإمدادات القادمة من أوكرانيا أحد عناصر الاستقرار الغذائي في السوق المصرية. ولذلك فإن أي شكوك تتعلق بمنشأ الحبوب المتداولة تؤثر بصورة مباشرة على مستوى الثقة بين الشركاء التجاريين.
وبالنسبة للأوكرانيين، لا تقتصر قضية الحبوب على الجانب الاقتصادي فقط، بل ترتبط أيضاً بذاكرة تاريخية مؤلمة. فما زالت المجاعة الكبرى التي شهدتها أوكرانيا بين عامي 1932 و1933 نتيجة سياسات المصادرة القسرية للحبوب التي اتبعتها السلطات السوفيتية حاضرة في الوعي الوطني. ولهذا ينظر كثير من الأوكرانيين إلى أي عمليات استيلاء أو نقل غير مشروع للحبوب باعتبارها قضية ذات أبعاد تتجاوز الخسائر الاقتصادية المباشرة.
وفي الوقت الراهن، تعمل أوكرانيا على إعداد حزمة جديدة من العقوبات تستهدف الأفراد والكيانات المتورطة في تجارة الحبوب المنقولة من الأراضي المحتلة. وقد تشمل هذه الإجراءات مالكي السفن وشركات النقل والوسطاء التجاريين وشركات التأمين وغيرها من الجهات المرتبطة بهذه العمليات.
وفي موازاة ذلك، تواصل كييف إبلاغ الحكومات الأجنبية وسلطات الموانئ وشركات الملاحة والتأمين بالمخاطر المرتبطة بالمشاركة في أنشطة تجارية تتعلق بحبوب مصدرها الأراضي الأوكرانية المحتلة.
لقد تجاوزت قضية الحبوب المنقولة من الأراضي الأوكرانية المحتلة حدود النزاع الثنائي بين أوكرانيا وروسيا، وأصبحت تمس المبادئ التي تقوم عليها التجارة الدولية الحديثة، والثقة بين المنتجين والمشترين، وقدرة المجتمع الدولي على تطبيق القواعد القانونية حتى في أوقات الحروب.
وبالنسبة لدول الشرق الأوسط، فإن أهمية هذه القضية تتجاوز حدود السياسة. فالأمن الغذائي لا يعتمد فقط على توافر الإمدادات، بل أيضاً على شفافية مصادرها ومشروعية تداولها. ومن هذا المنطلق، فإن مكافحة التجارة غير المشروعة بالحبوب تمثل قضية تتعلق بحماية نزاهة أسواق الغذاء العالمية بقدر ما تتعلق بالدفاع عن حقوق أوكرانيا.
خبير مستقل
أوليكساندر بوكاش

