العمل نجاة

د.رنا جابي

نحن تربّينا على عبارة «العمل عبادة»، وكبرنا على أن “العمل شرف”، وهو الوسيلة المثلى لصون كرامة الإنسان من العوز والحاجة، وتعلمنا أن نجتهد، ونتحمل المسؤولية، ولكن؛ لماذا يعمل بعض البشر حد الإدمان؟ ولماذا يتحول العمل عند بعضهم إلى حاجة ملحّة لا يستطيعون التوقف عنها؟

قد يدمن الإنسان العمل رغبةً في إثبات ذاته، لأنه سمع كلمة قلّلت من شأنه، فيمضي عمرًا كاملًا وهو يردّ على كلمة قيلت في لحظة مخاطبا الصوت القديم: ها أنا ذا، لقد استطعت!

وقد يكون السبب حب السيطرة؛ وإيمانا بأن لا أحد يستطيع القيام بما يقوم به. وقد يكون هروبًا من بيت فقد دفأه، أو علاقة أنهكها عدم التوافق، أو خذلانا عاطفيا جعل البقاء طويلًا خارج المنزل أكثر رحمة من العودة إليه.

وقد يكون المال سببًا؛ فكلما ازدادت ساعات العمل ازدادت النقود بينما يرى البعض أن في إدمان العمل ما يملأ الوقت، ويوسّع الخبرة، ويمنح الإنسان فرصة للتفاعل مع الآخرين، ويصرف طاقته فيما هو منتج بدل أن يستهلكها في التفكير بما لا يستطيع تغييره فيصبح العمل حياة والإنجارقصة وجود.

وهناك من يدمن العمل خوفًا من الفشل، فمن يطارده هوس المثالية لا يرضى بإنجاز ناقص، ولا يسمح لنفسه بالتوقف. وهناك من أدرك، بعد خيبات متلاحقة، أن جوانب أخرى من الحياة لم تعد تعنيه كما كانت، فبقي العمل المساحة الوحيدة التي يشعر فيها بأنه موجود، وأن له دورًا وقيمة ووزن.

وفي زمن كثرت فيه العزلة، وانشغل كل إنسان بعالمه، قد يصبح العمل الطبيب والدواء معًا؛ ويكون مكانًا نلوذ به حين تضيق النفوس..

كنت أظن أني أعرف الكثير عن الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الاحتماء بالعمل إلى أن التقيتها…

كانت امرأة مليئة بالحيوية والنشاط، ذات مكانة اجتماعية مرموقة، تمتلك من المهارات ما يجعلها شخصية نسائية لافتة. لم تكن منشغلة بالشيب الذي تسلل إلى مفرقها، ولا بالحلي والزينة. ملابسها بسيطة، حضورها قوي وصاخب، وفي صوتها شيء يوحي بأن هذه المرأة تعرف جيدًا كيف تقف على قدميها..

وقفت معها دقائق نتحدث عن العمل..

وفجأة، تغيّر كل شيء

ارتجف الصوت الذي كان ممتلئًا بالحيوية، وامتلأت عيناها بالعبرات، وقالت:

«أنا أعمل لأني فقدت ابنتي ذات السبعة عشر عامًا في السنة الماضية، فوجدت في العمل ملاذًا من الفقد».

تسمّرت في مكاني.. وغابت قواميس الكلمات من رأسي وشعرت بأن أنفاسي انحبست وروحي انقبضت وتوقف دماغي عن التفكير ولم يبق لي إلا الصمت والنظر إلى وجهها …متسائلة: ما هو شعور هذه الأم التي تقف كل يوم أمام طالبات في مثل عمر ابنتها الراحلة؟

كيف تستطيع أن تنظر إلى وجوههن، وتسمع أصواتهن وضحكاتهن، من دون أن تبحث بينها عن وجه غاب إلى الأبد؟

ومن أين جاءت بكل هذه القوة لتنهض كل صباح، وترتدي ثيابها، وتحمل حقيبتها، وتذهب لتعلّم بناتٍ في العمر الذي توقّف عنده عمر ابنتها؟

عندها أدركت أن العمل ليس دائمًا إدمانًا نحتاج إلى الشفاء منه، بل طريقة للبقاء وعلمت أن إدمان العمل ليس دائمًا حبًّا في الإنجاز، ولا هو بالضرورة سباق نحو المال أو المكانة. فأحيانًا تكون خلف ساعات العمل الطويلة حكاية لا يعرفها أحد، ووجع لا يُرى، ومحاولة مستمرة للنجاة.

فالإنسان لا يعمل دائمًا لأنه يريد المزيد من النجاح؛ بل قد يعمل لأنه يخشى إن توقف أن يسمع صوت حزنه بوضوح. يملأ ساعات يومه بالمواعيد والمهام والوجوه والأحاديث، حتى لا تبتلعه تلك المساحة الفارغة التي تركها الراحلون..

تلك السيدة أعادت كلماتها ذكريات الفقد الذي كان شريكًا وفيًّا لي منذ سنوات. تذكرت كيف قضيت أيامًا طويلة أجترّ حزني دون شريك ولا مواسٍ، وكيف يمكن للإنسان، في بلاد ينشغل فيها الجميع بأعمالهم وحياتهم، أن يعود في نهاية اليوم ليجد نفسه وحيدًا أمام ذاكرته يواجه حزنه بانكسارنفس وهشاشة روح ووهن قلب أمام حزن يجرد أقوى النفوس من صلابتها..

تلك الأيام التي اكتشفت فيها أن الناس يمضون، والمواعيد تستمر، والشوارع مزدحمة، والحياة لا تتوقف احترامًا لحزن أحد. وحده الفقد يبقى وفيًّا، يعرف طريق العودة إلينا دون عنوان، ويجلس بجوارنا كلما هدأ ضجيج الحياة..

لهذا ندمن العمل أحيانًا لأن بعضنا اكتشف أن الحركة أقل إيلامًا من السكون، وأن الانشغال أرحم من اجترار الذكريات، وأن إنجاز مهمة بسيطة قد يمنح يومًا مثقلًا بالحزن سببًا لأن يمر وأن العمل حيلة صغيرة للاستمرار في الحياة والنجاة من موت محتم..

إن العمل لا يُهزم الفقد، ولا تمحو المواعيد ذكرى من رحلوا، ولا يستطيع النجاح أن يملأ مكان إنسان أحببناه. لكننا نتعلم، بطريقة ما، أن نحمل غيابهم معنا ونواصل السير.. وربما يكون هذا أحد أكثر أسباب إدمان العمل  إنسانية، أن يبحث المرء، وسط خساراته، عن مكان لا يزال يشعر فيه بأنه نافع، حاضر، وموجود…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *