أ. نيروز جلبي
في بيئة عمل شديدة التعقيد كالواقع السوري الراهن، لم تعد الأزمات مجرد استثناء عابر، بل أصبحت هي المشهد اليومي المستمر. بين تقلبات التشريعات، هبوط القوة الشرائية وتعثر سلاسل الإمداد تقف المؤسسات عاجزة عن رسم خطط استراتيجية بعيدة المدى، ويجد الموظف نفسه في مواجهة شلل إداري متكرر. في هذا المناخ المضطرب، تسقط أنماط القيادة التقليدية القائمة على التوجيه المباشر فالقبطان لم يعد قادراً على توجيه جميع البحارة وسط العاصفة، وهنا تحديداً تتجلى “القيادة الذاتية” (Self-Leadership) ليس كرفاهية إدارية، بل كاستراتيجية بقاء حتمية لضمان الاستقرار النفسي والإنتاجية.
ليست القيادة الذاتية مجرد انضباط شخصي، بل هي – كما يشير الباحث تشارلز مانز – إعادة امتلاك الفرد لدفة التأثير على سلوكياته ودوافعه ليحقق الأداء الفعال دون انتظار أوامر عليا. إنها تحول جذري في العقلية؛ تبدأ من ضبط النفس وإدارة الوقت في غياب الرقابة، وتتدفق عبر البحث عن “المكافأة الطبيعية” والدافع الداخلي في العمل المعنوي والإنساني لتعويض ضعف الحوافز المادية، وتصل إلى ذروتها في تبني “عقلية النمو” التي تحول العوائق اليومية إلى دروس مستفادة.
إن الحاجة إلى هذا النمط من القيادة في السوق السورية لم تعد خياراً بل فرضتها التغيرات البنيوية العميقة، فمع هشاشة الهياكل المؤسسية وتكرار الانقطاعات الخدمية، بات القرار الميداني السريع ملكاً للموظف في موقع الحدث. ومع استنزاف الكفاءات وهجرة العقول، وجد المتبقون أنفسهم أمام مسؤوليات مضاعفة تتطلب مرونة وتعدداً في المهارات. أضف إلى ذلك صعود قطاع العمل الحر والمنظمات غير الحكومية، حيث يغيب المشرف المباشر ليصبح الانضباط الذاتي هو الحارس الوحيد على جودة الإنجاز، والأهم من ذلك كله تُشكل القيادة الذاتية درعاً نفسياً يقي الموظف من الاحتراق النفسي عبر تجزئة الأهداف الكبيرة القاسية إلى خطوات صغيرة قابلة للتحقيق.
لكن، كيف نترجم هذا المفهوم إلى سلوك يومي ملموس؟
على المستوى الفردي، يبدأ الأمر بالاستغناء عن الأهداف التعجيزية وتبني أهداف قصيرة ومتوسطة المدى مرنة وقابلة للقياس، واستغلال الأدوات الرقمية البسيطة والمتاحة مثل Notion أو Trello لتنظيم الأولويات شخصياً، مع استمرار الاستثمار في التعلم الذاتي عبر المنصات المفتوحة لسد الفجوات المهارية. أما على المستوى المؤسسي، فيتطلب الأمر جرأة من الإدارات لتفكيك المركزية المقيَّدة، وتفويض السلطة لبعض الموظفين للتصرف في حالات الطوارئ، مع بناء بيئة عمل ترتكز على الثقة وتقبل الأخطاء الناجمة عن المحاولة والمبادرة.
إن أثر القيادة الذاتية يتجاوز حدود الفرد والمؤسسة ليلامس عصب التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. فالإنسان الذي يملك زمام نفسه هو الأقدر على ابتكار حلول محلية منخفضة التكلفة – كابتكار بدائل الطاقة وإدارة الموارد المتاحة بكفاءة – وهو النواة الحقيقية لريادة الأعمال المجتمعية التي تحول الاقتصاد غير الرسمي إلى قوة إنتاجية مستدامة.
بطبيعة الحال، لا يمر هذا التحول دون تحديات؛ فجدران الثقافة المركزية المترسخة وضيق الموارد المادية يقفان كحائط صد. إلا أن التغلب عليها يبدأ من خطوات عملية “دمج مهارات إدارة الذات في المناهج الجامعية والتدريب المهني، دعم حاضنات الأعمال التي تحتضن المبادرات الفردية، وترسيخ ثقافة التعلم المستمر داخل الشركات عبر ربط التقييم الوظيفي بمقدار المبادرة والتطوير الذاتي”.
في النهاية، إن الحروب والأزمات قد تهدم البنية التحتية، لكنها لا تستطيع هدم العقول التي أتقنت قيادة ذاتها، والاستثمار في قدرة الفرد على التوجيه الذاتي هو الاستثمار الأكثر جدوى لبناء رأس مال بشري مرن، قادر على تجاوز صدمات الحاضر وصياغة مستقبل التعافي.

