بين البذخ والركام .. من يستثمر فوق أنقاض الذاكرة وتعب الناس؟

د. زكريا ملاحفجي

حين تُقلب صفحات الخطط العمرانية الكبرى والرسومات الهندسية المتباينة التي تُزفّ تباعاً إلى الواجهة الإعلامية في سورية، يتبادر إلى الذهن سؤال بسيط بقدر ما هو جارح وملح: لمن تُبنى هذه المدن والمجمعات حقاً؟ وهل ترسم هذه الأبراج الشاهقة والواجهات الزجاجية ملامح “التعافي المنشود”، أم أنها تعيد إنتاج المشكلة بصيغة هندسية أكثر قسوة

سراب الأبراج.. إعمار بلا مجتمع ولا روح

تتوالى الإعلانات عن مشاريع عقارية ضخمة وتوقيع اتفاقيات بمئات الملايين، وتُقدّم هذه التحركات بوصفها طوق نجاة للاقتصاد المنهك. لكن نظرة فاحصة تكشف قطيعة تامة بين هذه الفقاعة الإنشائية وبين الواقع المعيشي لغالبية السكان.

المشهد الاقتصادي يبدو مغرقاً في مفارقاته الصارخة، فبينما تئن البنى التحتية للمدن تحت وطأة التآكل، وتتراجع القدرة الشرائية لأقسام واسعة من المجتمع حتى تفقد أبسط مقومات العيش الكريم، تُضخّ الأموال حصراً باتجاه قطاعات الإسكان الفاخر، والمنتجعات السياحية، والمجمعات التجارية المغلقة التي تعزل أهل المكان الأصليين.!

 إن هذه المشاريع لا تحاول معالجة العجز السكني الهائل أو أزمة السكن الشعبي، بل تكرس نموذجاً استثمارياً طارداً، يعزل المدن الكبرى عن محيطها الاجتماعي ويحولها إلى جزر معزولة بين البذخ والركام.

دروس التاريخ القريب.. “سوليدير” ونسخها المتطورة

هذه السياسات ليست بدعة اقتصادية مبتكرة، وتكفي قراءة هادئة لتجارب الجوار لنعرف المآل. فور انتهاء الحرب في لبنان، جرى تأسيس شركة “سوليدير” التي أعادت رسم قلب بيروت ببريقها الواجهاتي، لتنتهي الأمور إلى إفراغ وسط المدينة التاريخي من نبضه وأهله، وتحويله إلى واجهة مالية وسياحية لأصحاب رؤوس الأموال العابرة للحدود. يومها، خرج ملاك العقارات الأصليون بأسهم زهيدة لا تقوى على مجاراة التضخم، ناهيك عن شراء متر مربع واحد في ذات المكان الذي ورثوه عن أجدادهم.

تتكرر الذريعة ذاتها وتتطابق التفاصيل تحت عناوين براقة، شراكات كبرى تُبرم لتطوير مناطق كاملة، ومشاريع أبراج تُسوق على أنها “رافعات للاقتصاد الوطني”، بينما تؤدي على الأرض إلى تهجير صامت من نوع آخر. إنه تهجير لا يعتمد على القوة، بل على “الهندسة الاقتصادية” أي رفع القيمة العقارية للمنطقة بشكل جنوني يجعل الاحتفاظ بالأرض أو المسكن القديم عبئاً مستحيلاً، مما يدفع الأهالي إلى البيع القسري تحت ضغط الفقر والحاجة اليومية، ليجدوا أنفسهم منفيين إلى أطراف الهامش.

أين الذهب الاقتصادي الحقيقي؟

الترويج لهذه المشاريع يقوم دائماً على مغالطة كبرى مفادها أن “أي استثمار في الحجر هو خير للبلاد”. لكن الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى على المضاربات العقارية والواجهات الزجاجية التي تظل شققها مظلمة لأشهر طويلة بانتظار مشترٍ مغترب أو مضارب جديد.

الاستثمار الحقيقي هو الذي يحرر عجلة الإنتاج، ويدعم القطاعات الحية كالزراعة والصناعة الحرفية والتكنولوجية، ويوفر فرص عمل مستدامة تبتلع بطالة الشباب لا أن تمتص جهدهم كعمالة رخيصة في تشييد أبراج لا يملكون حق النظر إليها من الداخل.

إن حصر الاهتمام بقطاع العقارات والخدمات الفاخرة يمنح رؤوس الأموال الأكثر سيطرة وسعة في تحديد من يبقى في هذه المدن ومن يرحل عنها، معلناً تكريس طبقية جديدة أشد قسوة. وحين تكون الأولوية المطلقة لشركات التطوير العقاري على حساب الأمن الغذائي والصناعي للبلاد، فإننا لا نعيد إعمار الأوطان، بل نعيد هندستها لصالح طبقة لا تتقاطع مصالحها قط مع نبض الشارع.

ويبقى السؤال الأهم معلقاً بلا إجابة منصفة: هل سنعيد إعمار بلد يستطيع شعبه العيش فيه؟ أم سيكونون الضحية الأولى لمشاريع الإعمار الزائفة التي لا تقيس النجاح إلا بمقدار رضا المستثمرين وجني الأرباح السريعة

دون تعافي حقيقي لعجلة تنموية حقيقية صاعدة تستثمر في الزراعة والصناعة وغيرها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *