أ. رهف الجاسم
من ارض الواقع وحيث ينبع الفساد، يقف المجتمع السوري اليوم أمام واحد من أكثر الأسئلة مصيرية وتعقيداّ في تاريخه الحديث؟
هل يمتلك السوريون القدرة لتحسين الوضع الذي تمر به البلاد؟ وهل نستطيع الوقوف من جديد؟ وهل مازال للشباب أمل أم أن الفساد قد عم وسيطر؟
من هنا نبدأ:
من قلب الرماد والمعاناة تولد الإرادة
الشباب السوريون وطاقة الأمل في مواجهة الإنكسار.
رغم قسوة المشهد وتغوّل منظومة الفساد التي تحاول جاهدة إطفاء بريق المستقبل، إلا أن الإنسان السوري لم يفرغ بعد من مخزون العطاء، وما زال ينبض بالقدرة على الفعل والتغيير. إن الرهان الحقيقي اليوم لا يرتكز على الهياكل المتآكلة، بل على كتلة بشرية سورية شابة أثبتت في الداخل ودول الاغتراب كفاءة استثنائية وقدرة مرنة على الابتكار وصناعة الحياة من نقطة الصفر. لم يستسلم هؤلاء الشباب لواقع “التجهيل واليأس الممنهج”، بل تحولوا إلى خلايا عمل حية؛ فنرى مبادرات ريادية رقمية، وتجمعات تعليمية تطوعية، ومشاريع تكافلية تتحدى شلل المؤسسات، لتثبت أن جذور الأمل ما زالت حية وأن الهيمنة المطلقة للفساد ليست قدراً حتمياً. إن هذا التدفق الشبابي الواعي يمثل خط الدفاع الأول عن الهوية السورية الجديدة، وهو الدليل القاطع على أن الشعب الذي أتقن فن الصمود طوال هذه السنوات، يمتلك المقومات الجينية والروحية للوقوف من جديد، وتحويل طاقة الألم إلى قوة دفع حقيقية نحو بناء دولة الشفافية والمواطنة
يتطلب النهوض السوري تحويل النكبات إلى نقطة انطلاق لبناء عقد اجتماعي جديد يقدس القانون استناداً إلى تجارب دولية ملهمة كرواندا وألمانيا واليابان. كما يعتمد هذا النهوض على تفكيك منظومة الفساد عبر تفعيل التكنولوجيا والرقابة الرقمية واستقلال القضاء لضمان منهجية دولة قائمة على الشفافية والمحاسبة.
في ظل تراجع سلطة القضاء المستقل، وغياب أدوات الرقابة والإعلام الحر، باتت منظومة الفساد محصنة بالحصانات القانونية مما جعل من رصد التجاوزات أو محاسبة المتورطين أمراً في غاية الصعوبة.
والطريق الأفضل نحو العبور لسوريا الجديدة بين هندسة الإصلاح وعقد المواطنة، ختاماً…
إن الإجابة عن سؤال القدرة والنهوض السوري تتطلب المزاوجة بين خريطة طريق عملية صارمة ونداء أخلاقي ووطني جامع؛ فالأمنيات وحدها لا تبني الأوطان، والشعارات التجميلية لا تقتلع وباءً متجذراً.
تستند خريطة الطريق التنفيذية أولاً إلى إرساء استقلال تام وحقيقي للسلطة القضائية، ليكون القانون هو المظلة العليا التي لا يُستثنى منها أحد، تزامناً مع تفعيل أدوات الرقابة والتحول الرقمي الممنهج في المعاملات والمؤسسات الحكومية لتجفيف منابع الرشوة كما تتطلب هذه الخريطة استراتيجية وطنية لدعم المشاريع الريادية والابتكارات الشبابية، وتحويل طاقات الشباب في الداخل والمغترب من قوة معطلة أو مهاجرة إلى شريك أساسي في التنمية وإدارة موارد الدولة.لكن هذه الآليات التقنية ستبقى جسداً بلا روح ما لم يُنفخ فيها الالتزام الأخلاقي والوطني.
إن المعركة الحقيقية هي معركة إعادة بناء الهوية السورية الجامعة وترسيخ مفهوم المواطنة الحقيقية التي تتجاوز الولاءات الضيقة والمصالح الفئوية؛ مواطنة تُعلي من شأن النزاهة وتجعل من محاربة الفساد واجباً أخلاقياً مقدساً.
إلا إن التلاحم السوري اليوم، وتجاوز انكسارات الماضي، والالتفاف حول فكرة الدولة العادلة هو السبيل الوحيد لكسر طوق الخداع، وتفكيك منظومة أمراء الأزمات، لتقف سوريا من جديد بوعي شبابها وصلابة شعبها، معلنةً ولادة فجر جديد نقي، تليق تضحياته بحجم أحلام أبنائه.
بين الحقيقة والخداع هل نستطيع بناء دولة سورية جديدة خالية من الفساد

