حين يبدأ النهار من عينيها

أ.أحمد شميس يعربي

قد يبدأُ النهارُ في وسطِ الليل، وتتغيّرُ التضاريسُ بحضورها؛ فتتراجعُ العتمةُ كأنها لم تكن، ويصيرُ للوقتِ قلبٌ آخر، وللطرقاتِ جهةٌ لا تعرفها الخرائط. يكفي أن تأتي، لا لتضيءَ المكان، بل لتعيدَ تعريفَ الضوء نفسه؛ فتبدو النجومُ أقلَّ يقينًا، ويغدو القمرُ مجرّدَ شاهدٍ بعيدٍ على معجزةٍ تحدثُ هنا، في المسافة الصغيرة بين حضورها ونبضةٍ اختارت أن تخرج من صدرها لتسكن صدري.

هي لا تدخلُ إلى الأشياء؛ الأشياءُ هي التي تعيدُ ترتيبَ نفسها حين تقترب. حتى الصمتُ، ذلك الكائنُ الثقيل، يصبحُ في حضرتها رقيقًا كوشوشةٍ على نافذةٍ في آخر الليل. الأشجارُ تميلُ دون ريح، والبحرُ ينسى اتساعه، والليلُ نفسه يخلعُ عباءته السوداء على عتبةِ عينيها. كأن حضورها ليس حضورَ امرأة، بل انقلابٌ هادئٌ في قوانين الكون؛ شيءٌ لا يُرى، لكن كلَّ شيءٍ بعده لا يعودُ كما كان.

أحبها بذلك القدر الذي يجعلُ العقلَ يقفُ قليلًا على حافة الجنون، ثم يبتسم؛ أحبها لا كمن وجد امرأةً جميلة، بل كمن عثر فجأةً على المعنى الذي كان يبحث عنه في أشياء كثيرة ولم يجده. فيها شيءٌ يجعلُ القلبَ يتصرّف كأنه خُلق للمرة الأولى؛ يخافُ من فرط امتلائه، ويفرحُ من فرط ارتباكه، ويكتشفُ أن بعضَ المشاعر لا تُقال، لأن اللغةَ مهما بلغت من الفخامة تظلُّ أقلَّ اتساعًا من رجفةٍ واحدةٍ يتركها حضورها في الروح.

وحين تغيبُ عن العين، لا يغيبُ أثرها؛ تظلُّ في الأشياء كالعطر الذي لا يحتاجُ إلى صاحبه كي يُثبتَ وجوده. تظلُّ في الطريق، في فنجان القهوة، في أغنيةٍ عابرة، وفي تلك اللحظة التي يرفعُ فيها الليلُ رأسه كأنه ينتظرُها. كأنها لم تأتِ لتسكنَ مكانًا، بل جاءت لتسكنَ الزمن؛ ولذلك كلما مرَّ الوقتُ عليها، ازدادَ بها امتلاءً، وكلما حاولتُ أن أضعَ لها حدًّا في قلبي، تمدّدَ حضورها حتى صار القلبُ نفسه مجرّدَ غرفةٍ صغيرةٍ في مملكةِ عينيها.

ولعلَّ أجملَ ما في الحب أن يأتيك أحيانًا على هيئةِ إنسان، ثم يترككَ عاجزًا عن معرفة أين ينتهي الإنسان وأين تبدأُ المعجزة. هي تلك المعجزة التي تجعلُ الليلَ قابلًا لأن يُنجبَ صباحًا، وتجعلُ القلبَ العابرَ وطنًا، وتجعلُ من لحظةٍ واحدةٍ عمرًا كاملًا. فإذا سألوني يومًا: كيف يمكنُ لامرأةٍ أن تغيّر شكلَ العالم؟ سأقول: لا تغيّره… يكفي أنها تحضر؛ فالكونُ، حين تمرُّ به، يتذكّر فجأةً كيف يكون جميلًا.ولهذا، حين قلتُ في البدء: قد يبدأُ النهارُ في وسطِ الليل، وتتغيّرُ التضاريسُ بحضورها، لم أكن أكتبُ استعارةً عابرة؛ كنتُ، دون أن أدري، أصفُ ما حدثَ لي. فقد جاءت كفجرٍ لا يعرفُ الشرقَ طريقًا إليه، وكضوءٍ لم تهبط به السماء، بل صعد من أعمقِ عتمتي. ومنذها، لم يعد الليلُ عندي نقيضَ النهار؛ صار سرَّه القديم، وصرتُ أعرفُ أن بعضَ النساء لا يُشرقنَ في حياتنا كما تشرقُ الشمس، بل يُغيّرنَ قانونَ الشروق نفسه؛ فيولدُ الصباحُ من موضعٍ لم يكن في الخرائط، وتستيقظُ في القلبِ أشياءُ لم تكن نائمة، بل كانت تنتظرُ حضورًا واحدًا كي تعرفَ أنها كانت حيّة. وهكذا لم يكن حضورُها هو الذي غيّر تضاريسَ العالم فقط؛ لقد غيّر تضاريسي أنا، حتى صرتُ المكانَ الذي لا يستطيعُ الليلُ فيه أن يعودَ ليلًا، كلما مرَّتْ به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *