قبل أن يثق الناس بالدولة عليهم أن يعرفوها

ثريا بشماف


يميل الحديث عن إصلاح الدولة إلى النظر من جهة واحدة، جهة المؤسسة، كيف تُصمَّم، وكيف تُدار، وكيف تُحسَّن خدماتها.. وهذا كله ضروري، لكنه نصف الصورة فقط، لأن العلاقة بين الإنسان والدولة لها طرفان، وأي إصلاح يُحسِّن أحد الطرفين ويترك الآخر على حاله سيبقى معلَّقاً في منتصف الطريق، فما قيمة شباك خدميّ حُسِّنت إجراءاته إن كان المراجِع لا يعرف أنه شباكه، ولا يعرف حقوقه عنده، ولا يتوقع أصلاً أن يُعامَل فيه بقاعدة؟
وهنا نصل إلى مسألة قلّما تُطرح بجدية في السياسة.. ماذا يعرف الناس عن الدولة ونظمها؟ وكيف تشكّل هذا المعرفة أو غيابها؟
عاش كثير من السوريين سنوات طويلة في ظل نظم موجودة على الورق وغائبة في الحياة اليومية، قواعد تُكتب ولا تُطبَّق، ومؤسسات قائمة بالاسم وعاجزة أو متغيِّبة في الواقع، وأنظمة موازية ملأت الفراغ، من علاقات شخصية، وسلطات محلية، ووسطاء، ومبادرات أهلية.. وحين يعيش الإنسان في هذا المناخ فإنه يكتسب معرفة من نوع آخر، معرفة بكيفية إنجاز الأمور خارج النظام، فيعرف من يُسأل، وأي باب يُطرق، وأي علاقة تُستثمر، وهذا في الحقيقة ذكاء تكيّفي عالي الكفاءة في بيئة غير مستقرة..
لكن هذا الذكاء نفسه يتحول عند تغيّر الظرف إلى عبء، لأننا ننتقل من وعي بالالتفاف إلى حاجة إلى وعي بالنظام، والوعيان مختلفان في بنيتهما، ولنقل ذلك بدقة، فالفجوات التي ورثتها الدولة الجديدة تتكون من ثلاث:
الفجوة الأولى معرفية، أن كثيراً من الناس لا يعرفون حقوقهم ولا الإجراءات ولا الجهة المختصة ولا ما يقوله القانون فعلاً في مسألتهم.. والفجوة الثانية تصوّرية، أي أنه لا يوجد في أذهان كثيرين نموذج ذهني لنظام يُطبَّق على الجميع، فتصير القاعدة في نظرهم شيئاً يخص الضعيف وحده، ويصير الخلل هو القاعدة، والانتظار المتوقع للقرار هو انتظار الشخص لا انتظار الإجراء، والفجوة الثالثة سلوكية، أي عادات راسخة، من اللجوء إلى الوسيط قبل السؤال عن الطريق الرسمي، ومن الصمت أمام القرار الذي لا يُفهم، حتى بعد أن يصبح النظام قادراً على الاستجابة..

لكن.. لماذا يهمّ هذا سياسياً؟
لأن الثقة لا تُبنى على ما لا يُعرف، فلا يستطيع الإنسان أن يثق بنظام لا يفهمه، ولا أن يحاسبه، ولا أن يدافع عنه حين يُستهدف.. وفلاسفة العقد الاجتماعي حين تحدثوا عن القبول والرضا كانوا يفترضون ضمناً أن الطرفين يعرفان ما الذي اتفقا عليه، أما عقدٌ لا يعرف أحد طرفيه بنوده فهو أقرب إلى أمر واقع منه إلى عقد..
ولغياب الوعي كلفة سياسية ملموسة عندنا نحن السوريون، فحيث يغيب الفهم ينشأ اقتصاد كامل من الوساطة والسمسرة، يترجم للناس النظام مقابل ثمن، ويجد مصلحته في بقاء الغموض، وحيث يغيب الفهم تسهل الإشاعة، فيُفسَّر التأخير الإداري على أنه تعمّد، وحتى الخطأ الفرديّ يٌفسَّر على أنه سياسة، فتتحول أزمة إجرائية صغيرة إلى أزمة ثقة كبيرة، وحيث يغيب الفهم تتعطل المساءلة، لأنّ المساءلة تحتاج مواطناً يعرف ما الذي يُساءَل عنه ومن يُساءَل ومتى، فالوعي المؤسسي إذن جزء من الأمن السياسي للدولة الجديدة، وكل قدر من الوعي يُبنى بين الناس يخفف عنها عبء الإشاعة والوساطة والاحتقان..
ولهذا فإن المنهجية التي نقترحها تقوم على مسارين يسيران معاً، مسار تصميم التجربة من جهة الدولة، ومسار بناء الوعي من جهة المجتمع، فلا يسبق أحدهما الآخر بمسافة تفصل بينهما، وتقوم على المرتكزات الآتية:
أولاً: لحظة التماس هي وحدة التحليل
المواطن لا يقابل (الدولة)، إذ يقابل شباكاً وموظفاً وقراراً، فلنبدأ بخريطة صادقة لأكثر اللحظات التي يمرّ بها الناس، تسجيل وثيقة، أو ترخيص، أو ملكية، أو شكوى، أو مراجعة قضائية، أو تسجيل طفل في مدرسة، ثم لنسأل عن كل لحظة سؤالين.. ماذا يعيش المواطن فيها؟ وماذا يعرف عنها قبل أن يدخلها؟
ثانياً: الإعلان ليس الإبلاغ
القاعدة التي نُشرت في جريدة رسمية ولم يقرأها أحد لم تُعلَن فعلاً، ولذلك ينبغي أن تصل المعلومة إلى الإنسان في اللحظة التي يحتاجها فيها، عند الشباك نفسه، ببساطة اللغة، ومن أكثر من قناة.. ما المطلوب؟ وكم المدة؟ وما الكلفة؟ ومن يقرّر؟ وكيف أعترض؟ وهذه الشفافية عند نقطة الخدمة أنجع بكثير من الشفافية في الوثائق الكبرى..
ثالثاً: تعليل القرار
من أقوى الأدوات التي تجمع بين بناء الثقة وبناء الوعي أن يكون كل قرار مؤثر في حياة المواطن مقروناً بسببه وبطريق الاعتراض عليه، فالمواطن الذي يُرفض طلبه ويفهم لماذا، ويعرف ماذا يفعل بعدها، يخرج وقد تعلّم شيئاً عن النظام، وحتى لو خسر الطلب، فقد كسب تصوراً بأن هناك منطقاً يحكم الأمور، أما من يُرفض طلبه بلا تفسير فيتعلم الدرس المعاكس، وهو أن النظام قرار شخصيّ..
رابعاً: التعلّم بالممارسة لا بالمحاضرة
الوعي المؤسسيّ يٌبنى بالتجربة الأولى الناجحة، أول شكوى عولجت، وأول قرار فُسِّر، وأول مرة طُبّقت فيها القاعدة على صاحب نفوذ كما طُبّقت على غيره، وهذه التجارب هي ما يعيد بناء التصوّر الذهني عند الناس، لأن العقل يصدّق ما يعيشه أكثر مما يُقال له..
خامساً: المختبر المحليّ والمرافقة المجتمعية
بدل الإصلاح الشامل المتعجل، نختار وحدات تجريبية محدودة، بلدية، أو دائرة خدمية، أو مستشفى، أو جامعة، ونطبّق فيها المسارين معاً، ونرافقها بـمرافقين من أبناء المجتمع يشرحون للناس كيف تعمل الخدمة الجديدة، ثم نقيس ونتعلم وننشر النتائج بما فيها الإخفاقات، ونعمّم بعد أن يتوفر الدليل..
سادساً: وسطاء الثقة والوعي
لدى المجتمع مؤسسات تملك رصيداً من الثقة لا تملكه الدولة بعد، كالجامعات والمكتبات والمدارس والنقابات المهنية والمبادرات الشبابية والمؤسسات المجتمعية على اختلاف انتماءاتها، ويمكن لها أن تكون جسراً حقيقياً، تُبسِّط للناس النظم الجديدة، وتُقدّم أدلة مبسطة للخدمات الأكثر طلباً، وتنقل تجارب المواطنين إلى صانع القرار بصدق، وتفتح للشباب مساحات ممارسة لا مجرد مساحات نقاش، كمجالس طلابية حقيقية، وتجارب مصغّرة للمشاركة المحلية..

سابعاً: وعي الموظف أيضاً
الموظف كذلك عاش في نظم غائبة، وربما تعلّم أن دوره أن ينفّذ التعليمات لا أن يخدم المراجع، وأن المواطن عبء قبل أن يكون شريكاً، فلا يكفي أن نوعّي المواطن بحقوقه ما لم نوعّي الموظف بدوره، وندرّبه على أن قاعدة الخدمة واضحة، وأن احترام وقت المراجع جزء من عمله، وأن مساءلته جزء من النظام..
ثامناً: مؤشر مزدوج
يُقاس نجاح المنهجية بمؤشرين معاً، مؤشر التجربة، وهو رضا المراجع، ومدة الإنجاز، ونسبة الحالات المنجزة دون وسيط، ومعالجة الشكاوى، ومؤشر الوعي، وهو نسبة من يعرفون حقوقهم وإجراءاتهم، ومن يعرفون أين يشتكون، ومن فهموا سبب قرارهم، وحين تُنشر هذه الأرقام دورياً ينتقل الحوار من الانطباعات إلى الوقائع..
نهايةً.. ماذا يعني هذا لصانع القرار؟
خمس خطوات لا تنتظر إصلاحاً شاملاً، أن تُنشأ وحدة صغيرة للتجربة والوعي ترتبط بأعلى مستوى تنفيذي، وأن يُعتمد ميثاق للمراجع ودليل مواطن مختصر للخدمات العشر الأكثر طلباً يُتاح عند نقطة الخدمة، وأن يصبح تعليل القرار وطريق الاعتراض معياراً ثابتاً في كل قرار مؤثر، وأن تُطلق دورة تجريبية مدتها 6 أشهر في مواقع محدودة بالشراكة مع جهات مجتمعية، تنتهي بتقرير علني، وأن تُدرَّب الإدارة المحلية على الخدمة والاحترام بوصفهما جزءاً من الكفاءة المهنية..
والعائد السياسيّ لهذه الخطوات كبير مقارنة بكلفتها، فهي تُضعف اقتصاد الوساطة، وتُخفف من عبء الإشاعة، وتخلق قاعدة اجتماعية تعرف النظام وتدافع عنه لأنها جرّبته، والأهمّ الأهمّ أنها تُحوّل المواطن من متلقّي يخمّن إلى شريك يفهم ويعي..
إنّ النظام الذي لا يعرفه الناس لا يمكنهم أن يحاسبوه، والنظام الذي لا يُحاسَب لا يضطر إلى أن يستحق الثقة، وهنا تحديداً تلتقي المنهجيتان، منهجية تصميم التجربة ومنهجية بناء الوعي، فالأولى تجعل الدولة جديرة بأن تُعرف، والثانية تجعل المواطن قادراً على أن يعرفها..
وحين يتعلم الإنسان أن للنظام منطقاً يمكن فهمه، وأن له حقاً يمكن المطالبة به، وأن له صوتاً يمكن أن يُسمع، تتحول الدولة في وعيه من غياب يُتحايل عليه إلى حضور يُشارَك فيه، ويصبح المواطن ما أراده في المقام الأول.. شريكاً بنّاءً قبل أن يكون متلقياً صامتاً عاجزاً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *