خبير مستقل، أ. بوكاتش
كيف تُحوّل موسكو بيلاروسيا إلى منصة مواجهة مفتوحة… ولماذا لم يعد بإمكان أوكرانيا تجاهل الخطر القادم من الشمال؟
بينما تتجه أنظار العالم إلى المعارك الدائرة في شرق أوكرانيا وجنوبها، تتشكل في شمال أوروبا ملامح أزمة أكثر اتساعاً وخطورة. فبيلاروسيا تفقد تدريجياً مقومات الدولة المستقلة، وتتحول بوتيرة متسارعة إلى امتداد عسكري واستراتيجي لروسيا، في مشهد يعيد رسم معادلات الأمن الأوروبي بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
قد تبدو هذه التطورات بالنسبة للمتابع العربي جزءاً من صراع أوروبي طويل، إلا أن ما يجري في الواقع يتجاوز حدود الحرب التقليدية. فالقضية باتت مرتبطة بمحاولة إعادة تشكيل ميزان القوى في أوروبا بالقوة العسكرية، وبتآكل منظومة الردع التي حافظت لعقود على قدر من الاستقرار داخل القارة.
منذ أكثر من خمس سنوات، تخوض موسكو حرباً شاملة ضد أوكرانيا، ليس فقط بهدف السيطرة على أراضٍ أو فرض نفوذ سياسي، بل ضمن مشروع أوسع يستهدف تقويض الدولة الأوكرانية وإعادة فرض واقع جيوسياسي جديد في أوروبا الشرقية. وخلال هذه المرحلة، أظهرت القيادة الروسية بوضوح أنها لا تتعامل مع الحرب باعتبارها نزاعاً محدوداً، بل كصراع مفتوح قابل للتوسع كلما اقتضت الضرورات العسكرية والسياسية ذلك.
وفي هذا السياق، أصبحت بيلاروسيا إحدى أهم أدوات الضغط الروسية.
لقد دخل نظام ألكسندر لوكاشينكو في مستوى غير مسبوق من التبعية لموسكو، مقابل ضمانات تتعلق ببقائه السياسي. ونتيجة لذلك، أصبحت الأراضي البيلاروسية والبنية العسكرية والمجال الجوي وحتى أجزاء واسعة من القرار الاقتصادي والأمني مرتبطة بصورة مباشرة بالمصالح الروسية.
ولم تعد بيلاروسيا تؤدي دور المنطقة العازلة بين روسيا وأوروبا، بل تتحول تدريجياً إلى قاعدة متقدمة للنفوذ العسكري الروسي على حدود الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
من وجهة نظر الكرملين، يحمل هذا التحول أهمية استراتيجية كبيرة. ففتح جبهة ضغط من الشمال يمنح موسكو فرصة لإجبار أوكرانيا على إعادة توزيع قواتها العسكرية بعيداً عن الشرق والجنوب، حيث تدور المعارك الأساسية. كما يسمح بزيادة الضغط على خطوط الإمداد التي تعتمد عليها كييف للحصول على الدعم العسكري واللوجستي من شركائها الغربيين.
ولهذا السبب، تواصل موسكو ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية متزايدة على مينسك لدفعها نحو انخراط أعمق في الحرب.
ورغم أن لوكاشينكو حاول لفترة طويلة تجنب الانخراط المباشر في المواجهة، إدراكاً منه لحجم المخاطر الداخلية والخارجية، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى تقلص هامش المناورة أمامه بصورة متسارعة.
فالإعلانات المتعلقة بما سُمّي بـ«التعبئة الجزئية»، وتصاعد مستوى التنسيق العسكري الروسي–البيلاروسي، ونشر أنظمة صاروخية روسية داخل الأراضي البيلاروسية، إضافة إلى التدريبات المشتركة الخاصة باستخدام الأسلحة النووية التكتيكية، كلها مؤشرات تعكس انتقال المنطقة إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة.
وقبل سنوات قليلة فقط، كان من الصعب تصور إجراء تدريبات نووية مشتركة بهذا المستوى في قلب أوروبا. أما اليوم، فقد أصبحت هذه السيناريوهات جزءاً من الواقع الأمني الجديد الذي يثير قلقاً متزايداً داخل العواصم الأوروبية.
وتحذر مراكز الدراسات العسكرية وخبراء الأمن من أن روسيا تنظر إلى بيلاروسيا باعتبارها منصة محتملة لتنفيذ عمليات تستهدف غرب أوكرانيا، ولا سيما الممرات اللوجستية الحيوية التي تُستخدم لنقل المساعدات العسكرية والإنسانية القادمة من الدول الغربية.
فالكرملين يدرك أن قدرة أوكرانيا على الصمود لا تعتمد فقط على خطوط القتال، بل أيضاً على استمرارية شبكات الإمداد والدعم الخارجي.
في المقابل، يواصل النظام البيلاروسي الترويج لرواية «التهديد الأوكراني» و«الخطر القادم من الناتو»، في محاولة لتبرير عسكرة الدولة وتهيئة الرأي العام الداخلي لاحتمال الانخراط في الحرب. إلا أن هذه الرواية تبدو بعيدة عن الواقع، إذ لا توجد مؤشرات فعلية على وجود نوايا أوكرانية لفتح جبهة ضد بيلاروسيا.
فالاستراتيجية الأوكرانية تظل ذات طابع دفاعي بالدرجة الأولى. وتعزيز التحصينات العسكرية، وزرع الألغام، وتقوية القوات المنتشرة على الحدود الشمالية، كلها خطوات فرضتها المخاوف المتزايدة من تحول الأراضي البيلاروسية إلى مصدر تهديد مباشر.
وفي الوقت ذاته، لم تعد كييف تخفي أنها سترد بصورة فورية على أي هجوم ينطلق من الأراضي البيلاروسية، مؤكدة أن أي إجراءات دفاعية ستتم في إطار القانون الدولي ووفقاً للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدول في الدفاع عن النفس.
وخلال سنوات الحرب، أثبتت أوكرانيا امتلاكها قدرات متقدمة في تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف عسكرية بعيدة عن خطوط المواجهة، وهو ما تدركه موسكو ومينسك جيداً.
لكن خطورة المشهد الحالي لا تقتصر على أوكرانيا وحدها. فأي خطأ في الحسابات، أو تصعيد غير محسوب، أو محاولة لاستخدام الجبهة الشمالية كورقة ضغط عسكرية، قد يدفع أوروبا نحو أزمة أوسع يصعب احتواؤها.
وبالنسبة لدول الشرق الأوسط، فإن هذه التطورات تحمل أبعاداً مألوفة. فالمنطقة تعرف جيداً كيف يمكن أن يؤدي تآكل سيادة الدول وتحويلها إلى ساحات نفوذ إقليمي ودولي إلى خلق دوائر ممتدة من عدم الاستقرار والتوترات الأمنية.
كما أن أي توسع للحرب في أوروبا لن يقتصر تأثيره على الجانب العسكري فحسب، بل سيمتد أيضاً إلى أسواق الطاقة العالمية، وحركة التجارة الدولية، وخطوط النقل البحري وسلاسل الإمداد، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة باقتصادات دول الخليج والشرق الأوسط.
وفي عالم يتراجع فيه تأثير التفاهمات السياسية التقليدية، تبدو معادلات الردع أكثر حضوراً من أي وقت مضى. فموسكو ومينسك تحتاجان إلى إدراك واضح بأن أي محاولة لتوسيع نطاق الحرب ستؤدي إلى كلفة استراتيجية وعسكرية مرتفعة.
أوكرانيا لا تسعى إلى توسيع دائرة الصراع، لكنها في الوقت ذاته لم تعد قادرة على التعامل مع التهديدات القادمة من الشمال باعتبارها مجرد رسائل سياسية أو أدوات ضغط نفسية. فالقضية اليوم لم تعد تتعلق بأمن أوكرانيا وحدها، بل بمستقبل التوازن الأمني في أوروبا، وبقدرة القارة على منع تحول بيلاروسيا إلى قاعدة دائمة للمواجهة المفتوحة بين روسيا والغرب.

