بشير قوجة
في شوارعنا اليوم تبدو الحياة وكأنها تحاول العودة من جديد.. المقاهي ممتلئة، الأسواق تتحرك والناس تمارس تفاصيل يومها المعتادة، لكن خلف هذا المشهد يعيش آلاف من الشباب السوري حالة صامتة من الاغتراب الداخلي، وكأنهم بقوا في المكان بينما غادرت أرواحهم منذ سنوات.
إنها الهجرة دون سفر… حين يبقى الإنسان داخل وطنه لكنه يفقد شعوره الحقيقي بالحياة والانتماء والمستقبل.
ولعل أكثر من يعيش هذه الحالة اليوم هو الجيل الذي انخرط في الثورة السورية منذ بداياتها، الجيل الذي وجد نفسه فجأة بين المظاهرات والنزوح والملاحقة والسلاح والفقد، فخسر سنوات عمره التي كان من المفترض أن تُبنى فيها حياته العلمية والمهنية والاجتماعية.
أربعة عشر عاماً مرّت على السوريين كأنها قرن كامل من التعب، جيل كامل دخل الثورة طلاباً ومراهقين وشباباً في مقتبل العمر، ثم خرج منها رجالاً مثقلين بالخسارات والأسئلة والخذلان.
كثيرون تركوا جامعاتهم قسراً.. كثيرون تنقلوا بين المخيمات والجبهات ومناطق النزوح، آخرون عملوا في أي مهنة فقط للبقاء أحياء أو لإعالة أسرهم بعد غياب المعيل أو انهيار الظروف الاقتصادية.
لم يكن أمام هؤلاء رفاهية التخطيط للمستقبل، لأن كل سنواتهم كانت مكرسة للنجاة فقط، واليوم ومع تشكل مؤسسات الدولة الجديدة ومحاولات إعادة تنظيم الإدارة وسوق العمل، يجد هذا الجيل نفسه أمام معادلة قاسية ومؤلمة: الدولة تريد مؤهلات علمية وشهادات وخبرات أكاديمية للتوظيف، بينما آلاف ممن شاركوا في الثورة أو تحملوا تبعاتها لا يملكون أصلاً فرصة العودة الطبيعية إلى التعليم.
هنا تظهر واحدة من أكثر المعضلات الاجتماعية والإنسانية تعقيداً في سوريا الجديدة، كيف يمكن لرجل تجاوز الثلاثين أو الأربعين لديه أطفال وأسرة ومسؤوليات يومية أن يعود فجأة إلى مقاعد الدراسة؟
كيف يستطيع أن يؤمن أقساط التعليم ومصاريف الحياة في آنٍ واحدٍ معاً؟
وكيف يمكن لمن عاش سنوات طويلة في الحرب والحرمان أن يبدأ حياته من الصفر وكأنه لم يمر بكل هذا الألم؟
مشكلتنا هنا لا تتعلق فقط بالشهادة الجامعية، بل بالشعور الداخلي بالخذلان، كثير من أبناء هذا الجيل يشعرون اليوم أنهم دفعوا أعمارهم كاملة في مرحلة استثنائية، ثم وجدوا أنفسهم خارج سوق العمل وخارج التصنيف التقليدي للنجاح الاجتماعي.
لا هم أكملوا تعليمهم بشكل طبيعي، ولا هم استطاعوا بناء استقرار اقتصادي حقيقي، ولا حتى حافظوا على سلامهم النفسي، ولهذا بدأت تظهر بوضوح حالة من “الهجرة النفسية” داخل المجتمع السوري؛ حالة يعيش فيها الإنسان حاضراً بجسده فقط، بينما يفقد تدريجياً حماسه للحياة وإيمانه بالمستقبل.
الأخطر من ذلك أن هذه المشاعر لا تخص الأفراد وحدهم، بل تتحول مع الوقت إلى ظاهرة جماعية كالعزلة الاجتماعية، الإنهاك النفسي، فقدان الدافع، وشعوراً دائم بعدم العدالة، بالإضافة لخوف من المستقبل وتبلد عاطفي تجاه الحياة العامة.
مع توسع هذه الفجوة بين متطلبات الواقع وإمكانيات الناس، يصبح الإحساس بالقهر أكثر تعقيداً، خاصة حين يشعر البعض أن تضحيات سنوات طويلة لم تتحول إلى فرصة عادلة للحياة الكريمة.
إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تقوم على إعادة إعمار الحجر، ويبقى الإنسان السوري فيها محطماً من الداخل.
البلاد التي عاشت حرباً بهذا الحجم تحتاج إلى مقاربة مختلفة لفهم جيل الثورة وجيل الحرب، ليس باعتباره عبئاً إدارياً أو مشكلة توظيف، يجب اعتباره بأنه جيلاً استثنائياً عاش ظروفاً استثنائية.
من الممكن معالجة هذه المعضلة بعدة أفكار، كبرامج تعليم مرنة للكبار، أو تقديم منحًا ودعمًا حقيقيًا لاستكمال الدراسة، مسارات تدريب مهني سريعة، وأهم شيء هو مراعاة الخبرات العملية التي اكتسبها الناس خلال سنوات الثورة، وفتح أبواب العمل بشكل يوازن بين الكفاءة والعدالة الاجتماعية، لأن العدالة لا تعني فقط معاقبة الظالم، بل أيضاً إنصاف من خسروا أعمارهم في مرحلة لم تكن طبيعية أصلاً.
السوري الذي أمضى سنوات شبابه بين الخوف والنزوح والعمل القاسي يحتاج إلى استعادة شعوره بأنه ما زال قادرا على الحياة، وأن ما ضاع من عمره لم يذهب بالكامل هباءً منثوراً.
المجتمعات لا تنهض حين يُطلب من الناس نسيان آلامهم، تنهض حين يشعرون أن تضحياتهم أصبحت جزءا من مستقبل أفضل.
نقطة وللألم رسالة أخرى.
بشير قوجة

