أ.محمد فتحي السباعي

كنتُ هناك، في زمنٍ لا يُقاس بالتقويم ولا بالمقابر، زمنٍ تشرب فيه الحروفُ من نهرٍ يسري تحت التراب، وتتنفّس الأرواح من بين حجارة المعابد. سمعتُ نفخة آمون الأولى… لم تكن ريحًا، بل أنينًا قديمًا من قلب الزمن، خرج ليوقظ مَن ناموا على وسادة الغفلة.

رأيتُ “سافرة” — روح العصور — تسير على جسر قصر النيل ليلًا، تحاور قمرًا يُضيء الإسفلت، وتسأل رمسيس العائد من نقوشه:

“هل وجدتَ في هذا العالم ما يليق بمجدكم؟” فيردّ بصوته الحجريّ المتعب: “وجدتُ وطنًا يُصلّي… وناسًا يضحكون رغم الجوع، فقلتُ: الحمد لله، لم تمت مصر بعد”.

من بعيد، كان أحمس يتهيّأ للمعركة الأخيرة، لكنها ليست ضد الهكسوس، بل ضد “كسوف العقول” — ذلك الظلام الذي يُطفئ النور في القلوب، فيخاف الناس من أنفسهم أكثر من عدوهم. وفي المساء، حين أذّن المؤذن لصلاة التراويح، ارتجف الهواء… وامتزجت أصوات المآذن بتراتيل الكهنة القدماء، كأنّ الزمان كله قد قرّر أن يُصلّي.

ظهرت العفاريت — لا لتخيف، بل لتُخبر. واحدٌ منها قال لي:

“نحن حراس التاريخ، نحرس سرّ الأرض، نُبدّل الوجوه لكن الروح واحدة، رمسيس هو العامل الذي يحمل الطوب في المترو، وأحمس هو الجندي الذي لا ينام، وسافرة هي الأم التي تدعو لأبنائها في السحَر”

رأيت الناس في الشوارع… بياع التين الشوكي، والسريحة، وطلبة الكليات، كلهم يتحرّكون كأنهم قطع نورٍ في رقعة الشطرنج المصرية. القهوة تفور كأنها بُخور، وراديو الصبح يقرأ نشيد الأجداد.

بحبك حد متغرب ورجع البيت، بحبك حيط تداري العيبة وتسند ضهري لما يميل.”

وفجأةً، انفجر النيل في قلبي ضوءًا، ورأيت على موجه وجه الرئيس — لا كزعيمٍ، بل كرمزٍ حيٍّ من نسل الفرسان — يخوض معركة النور بالسياسة كما خاضها أحمس بالسيف. عندها فهمت: أن النصر ليس معركة واحدة، بل دورة حياةٍ كاملة، يُقاتل فيها الأحياء بعقلهم، ويُساندهم الموتى بأرواحهم، ويغسل النيل بينهما ما تبقّى من خوفٍ.

وقف رمسيس بجانب قبة الأزهر، وسافرة عند تمثال سعد زغلول، وأحمس على جسر قناة السويس، وكلهم قالوا بصوتٍ واحدٍ يسمعه القلب لا الأذن:

“لن نغيب، نحن الوطن حين يتجسّد فيكم.”

ثم سكنت الأرواحُ، وبقيتُ وحدي أسمع صدى النفخة الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *