أ.رنا جابي
الثقافة ليست زخرفا لفظيا يتجمل به الإنسان أمام الناس وليست معلومات غزيرة يحفظها العقل ثم يتركها بلا أثر في السلوك والفكر، بل هي بناء متكامل يشكل شخصية الإنسان ويمنحه القدرة على الفهم والتمييز والنظر العميق إلى الحياة ومن خلال التأمل في كلام أهل العلم واللغة يمكن استخلاص مجموعة من المعايير التي يعرف بها الإنسان المثقف حقا.
وأول هذه المعايير أن يكون الإنسان حاذقًا جيد الفهم سريع التعلم ثابت المعرفة بما يحتاج إليه وقد أشار “ابن منظور” في كتابه لسان العرب إلى أن لفظة “ثَقُفَ” تدل على الحذق والفهم وسرعة التعلم وعلى الإنسان القادر على ضبط ما يحويه من علم ومعرفة. فالثقافة ليست حفظًا جامدًا وإنما قدرة على الاستيعاب والإدراك والتعامل الواعي مع المعرفة.
ومن صفات المثقف كذلك أن يكون واسع الاطلاع يأخذ من كل علم بطرف فلا يحبس نفسه داخل حدود علم واحد فقط.
فالمثقف يجمع أطرافا من العلوم والمعارف المختلفة فيتكون لديه أفق واسع ورؤية شاملة بينما العالم قد يتعمق في علم بعينه حتى يُعرف به ولهذا فإن الثقافة تمنح الإنسان مرونة فكرية وقدرة على الربط بين المعارف واستحضارها في مواضعها المختلفة.
كما أن المثقف الحقيقي يمتلك سرعة فهم الكلام والقدرة على التعامل مع أدوات الثقافة نفسها: كاللغة والقراءة والكتابة والمطالعة فالثقافة عند كثير من الباحثين ليست مجرد رصيد معرفي بل تشمل وسائل التعبير والتواصل وما يرتبط بها من منظومة قيم و معتقدات ورؤى للحياة لذا كانت اللغة القوية والقراءة الواعية والقدرة على التعبير الرصين تعدّ من أبرز دلائل الثقافة.
كما أن الثقافة لا تكتمل إلا إذا كانت منفصلة عن التراث الحضاري والفكري للأمة فالثقافة ليست معلومات متناثرة تُجمع من هنا وهناك بل هي اتصال عميق بجذور الأمة وفهمٌ لعقيدتها وتاريخها ونظرتها إلى الحياة وعندما تضاف الثقافة إلى أمة من الأمم فإنها تعبّر عن تراثها الحضاري والفكري في جوانبه النظرية والعملية معًا، وتشمل قيمتها ومبادئها وخصائصها الإنسانية.
وحسب التصور الذي عرضه كتاب “نحو ثقافة إسلامية أصيلة” تكون الثقافة صالحة ونافعة إذا بنيت على الإيمان بالله والتوجه إليه؛ لأن الثقافة التي تخلو من الإيمان قد تمنح الإنسان معرفة لكنها لا تمنحه الطمأنينة والبوصلة الأخلاقية التي تهدي الفكر والسلوك. ومن هنا كانت الثقافة الأصيلة هي التي تجمع بين العلم والإيمان، وبين المعرفة والقيم وبين اتساع الفكر وصفاء الروح.
ومن هنا نرى أن الإنسان المثقف ليس مجرد حافظٍ للمعلومات، بل هو إنسان واعٍ واسع الأفق، متصل بجذوره الحضارية قادر على الفهم والتعبير وموجّه بقيم سامية تجعل من علمه نورًا يهدي لا مجرد معرفة تقال.
