ثريا بشماف
يشكل الإنسان كائناً اجتماعياً بطبعه، إذ لا يمكنه أن يعيش خارج إطار الجماعة التي توفر له الأمن والتنظيم وتضمن استمرارية وجوده، ومن هنا نشأت السلطة السياسية باعتبارها ضرورة لتنظيم العلاقات بين الأفراد وحماية المجتمع من الفوضى والصراع. غير أن هذه السلطة، التي وجدت في الأصل لخدمة الإنسان، وكثيراً ما تتحول إلى أداة للهيمنة والتحكم، فتقيّد حرية الأفراد وتفرض عليهم أنماطاً معيّنة من التفكير والسلوك، لذلك ظلّ سؤال العلاقة بين المجتمع والسلطة من أبرز الأسئلة التي شغلت الفكر الفلسفي والسياسي عبر العصور..
فإلى أي حد يمكن اعتبار السلطة السياسية ضرورة اجتماعية؟ ومتى تتحول هذه الضرورة إلى خطر يهدد حرية الإنسان وكرامته؟ ثم كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستقرار السياسي ومطلب الحرية داخل المجتمع؟
إنّ قيام أي مجتمع دون وجود سلطة منظمة يبدو أمراً شبه مستحيل، لأن الطبيعة الإنسانية تتسم بتعدد الرغبات والمصالح، وهو ما قد يؤدي إلى الصراع والتنازع، وقد اعتبر الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز أن الإنسان في حالته الطبيعية يعيش في حالة حرب دائمة، حيث يكون «الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان» لذلك رأى أن وجود سلطة قوية أمر ضروري لضمان الأمن والاستقرار وحماية الأفراد من العنف والفوضى.
فالسلطة السياسية تؤدي وظائف أساسية داخل المجتمع، منها سن القوانين، وحماية الحقوق، وتنظيم العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.. كما أنها تساهم في تحقيق التضامن بين أفراد المجتمع من خلال فرض النظام وتوحيد الأهداف العامة، ومن دون وجود مؤسسات سياسية فعالة يصبح المجتمع عرضة للاضطرابات والانقسامات التي تهدد استقراره ووحدته..
إضافة إلى ذلك، فإن الدولة الحديثة أصبحت تطلع بأدوار اجتماعية وتنموية مهمة، كضمان التعليم والصحة وتوفير فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا ما يجعل السلطة السياسية أيضاً وسيلة لتحقيق التنمية وضمان المصلحة العامة
ورغم أهمية السلطة السياسية، فإن التاريخ الإنساني يكشف أن السلطة قد تنحرف عن وظيفتها الأساسية، فتتحول من وسيلة لخدمة المجتمع إلى أداة للسيطرة والاستبداد.. فحين تتركز السلطة في يد فرد أو فئة معينة دون رقابة أو محاسبة، تصبح الحرية مهددة، ويغدو الإنسان مجرد تابع فاقد لإرادته..
وقد انتقد الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو الأنظمة السياسية التي تقوم على الاستبداد، مؤكداً أن السلطة الحقيقية يجب أن تستمد مشروعيتها من إرادة الشعب، فالحاكم لا يكون شرعياً إلا إذا كان معبراً عن الإرادة العامة، وإلا تحولت السلطة إلى شكل من أشكال العبودية السياسية..
كما أن المفكر الفرنسي ميشيل فوكو بيّن أن السلطة لا تمارس فقط عبر المؤسسات السياسية، بل تمتد إلى مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، مثل المدرسة والإعلام والسجون، حيث يتم تشكيل الأفراد والتحكم في سلوكهم بطرق غير مباشرة، وهذا يدل على أن السلطة قد تتخذ أشكالاً خفية تجعل الإنسان خاضعاً لأنظمة المراقبة والتوجيه دون أن يشعر بذلك..
ومن هنا تبرز أهمية الديمقراطية باعتبارها نظاماً يضمن توزيع السلطة ومنع احتكارها، من خلال الفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير، فالديمقراطية لا تعني غياب السلطة قدر ما تعني إخضاعها للقانون وربطها بإرادة المجتمع..
إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمعات المعاصرة يتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين ضرورة السلطة ومطلب الحرية، فالحرية المطلقة قد تؤدي إلى الفوضى، في حين أن السلطة المطلقة تؤدي إلى الاستبداد.. لذلك لا بد من وجود عقد اجتماعي يقوم على التوافق بين الدولة والمجتمع، بحيث يلتزم الأفراد باحترام القانون مقابل ضمان حقوقهم وحرياتهم..
كما أن بناء مجتمع ديمقراطي يتطلب نشر الوعي السياسي والثقافة الحقوقية، لأن المواطن الواعي هو القادر على مراقبة السلطة والمشاركة في صنع القرار، فالتنمية الحقيقية لا تتحقق فقط عبر الاقتصاد، بل أيضاً عبر ترسيخ قيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية..
وفي ظل التحولات العالمية الراهنة، أصبح من الضروري أن تتبنى الدول سياسات قائمة على الحوار والتعددية واحترام الاختلاف، لأن المجتمعات التي تقوم على الإقصاء والعنف غالباً ما تنتهي إلى الانقسام وعدم الاستقرار..
يمكن أيضاً في إطار التصور الإسلامي التأكيد على أن الشرعية السياسية لا تنفصل عن الأخلاق والقيم، إذ يُنظر إلى الحاكم باعتباره مسؤولاً أمام الله والمجتمع معاً، وهو ما يفرض عليه الالتزام بالعدل ورفع الظلم وصون حقوق الناس، ومن هنا تتجلى أهمية مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كآلية رقابية مجتمعية تسهم في ضبط أداء السلطة ومنع انحرافها، بما يعزز الشفافية ويقوي روح المسؤولية داخل المجتمع..
كما أن هذا التصور يرسخ فكرة التكامل بين الفرد والجماعة، حيث لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي إلا عبر تعاون الطرفين على أساس القيم المشتركة، فالمجتمع الصالح في الرؤية الإسلامية هو الذي تتوازن فيه الحقوق والواجبات، وتُصان فيه كرامة الإنسان، وتُبنى فيه السلطة على أساس العدل والمصلحة العامة لا على الاستبداد أو المصالح الضيقة..
كما تبرز أهمية ربط هذه المبادئ بواقعنا المعاصر، خاصة في المجتمعات التي تعاني من التشتت الاجتماعي وضعف الروابط المشتركة وتزايد النزعات الفردية. فإحياء قيم العدل والشورى والتكافل لا يقتصر على الجانب النظري، بل يمثل حاجة عملية لإعادة بناء الثقة داخل المجتمع وتعزيز الانتماء الجماعي.. وفي ظل ما تعيشه بعض المجتمعات من انقسامات فكرية وسياسية، يصبح استحضار هذه القيم وسيلة لتقوية التماسك الاجتماعي وتقليل الصراعات، بما يساهم في خلق بيئة أكثر استقراراً وتعاوناً قادرة على مواجهة التحديات المشتركة..
وبناءً على ذلك، فإن اعتماد هذا البعد القيمي في إدارة الشأن العام يساهم في ترسيخ الاستقرار وتقوية الثقة بين الحاكم والمحكوم، ويجعل من السياسة وسيلة لخدمة الإنسان لا للتحكم فيه، مما يحقق توازناً بين متطلبات الحكم الرشيد ومبادئ الحرية والعدالة داخل المجتمع..
يتضح إذن أن العلاقة بين السلطة والمجتمع علاقة جدلية معقدة، تقوم على التوازن بين الحاجة إلى النظام والاستقرار من جهة، والحفاظ على الحرية والكرامة الإنسانية من جهة أخرى، فالسلطة السياسية تظل ضرورة لا غنى عنها لتنظيم الحياة الاجتماعية، لكنها قد تتحول إلى خطر عندما تنفصل عن إرادة المجتمع وتصبح أداة للهيمنة والاستبداد..
ومن ثم، فإن بناء مجتمع عادل ومتوازن يقتضي قيام سلطة شرعية خاضعة للقانون، تحترم حقوق الإنسان وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية والحوار الديمقراطي، فكلما كانت السلطة قائمة على العدالة والشفافية، كان المجتمع أكثر استقراراً وقدرة على تحقيق التقدم وتزكية الأمّة، كما أن مستقبل المجتمعات يتوقف أيضاً على مدى وعي الأمة بدورها في إصلاح علاقتها مع السلطة وبناء ثقافة قائمة على المسؤولية والمشاركة والتعاون، لا فقط بامتلاك القوة السياسية أو الموارد الاقتصادية، فالمجتمع الذي يربي أفراده على القيم الأخلاقية والوعي الفكري يكون أكثر قدرة على مراقبة السلطة وتقويمها بصورة سلمية وحضارية، مما يساهم في تحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة، ومن هنا تبرز أهمية تزكية الأمة فكرياً وأخلاقياً، لأن نهضة المجتمعات تبدأ من وعي الإنسان بذاته وحقوقه وواجباته تجاه وطنه ومجتمعه..
وفي ظل التحديات المستقبلية المتسارعة، أصبحت الحاجة ملحة إلى بناء علاقة متوازنة بين السلطة والمجتمع تقوم على الثقة والعدالة واحترام الكرامة الإنسانية، وهذا يخلق نموذج التنمية الحقيقية التي تحتاج تأطيراً سليماً من إنسان واعٍ ومجتمع متماسك وسلطة تؤمن بالحوار والإصلاح والديمقراطية، وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وصناعة مستقبل يقوم على الاستقرار والتقدم والتعايش المشترك..
ثريا بشماف

