أحمد مظهر سعدو

                                                                 

تكمن المسألة بين الدولة والسلطة وعلى طول المدى عبر الدخول في أتون علاقة متشابكة، كما أن هناك خلط بينهما، قد يكون مقصودًا في بعض الأحيان أو غير ذلك، حتى بات المفهوم ملتبسًا لدى الكثيرين، خاصة عندما يكون التناول أيديولوجيًا، وضمن معطى ما، يراد منه الوصول إلى حالة جديدة بوصفها التعبير عن الذات الخارجة منها. ويبدو أن مفهوم الدولة وكذلك السلطة، وفي محضر الحديث عن تموضعهما في سياقات النظم الديمقراطية أو الاستبدادية يأخذ مكانًا ما، ويساهم كل ذلك في الخروج باستنتاجات غائبة عن الواقع، وتريد في كثير من الأحيان تغييب الحقيقة، ثم تتجاوزها لصالح تفكير سياسي معين.

في هذا السياق يمكن القول: إن الضرورة السياسية والتغيرات التي تحصل في واقعنا العربي تدفع دائمًا إلى مزيد من الإطلالات البحثية نحو تبيان الأبيض من الأسود، ومن أجل فتح الباب واسعًا توخيًا للحوار الفكري السياسي، حول هذه المفاهيم وارتباطاتها، في أتون التغير الحاصل في واقعنا المحلي السوري المندرج في الكل الإقليمي.

هناك من يقول إن الدولة “هي الكيان الثابت الذي يستمر، حتى مع تغير الحكومات، وتتألف من مؤسسات مثل البرلمان، الحكومة، والقضاء، وهي جزء من بنية الدولة.”

أما السلطة فهي “قوة اتخاذ القرار التي تقع في أيدي الشعب الذي ينتخب ممثليه”.

لكن عملية الفصل بين السلطاتسوف تبقى حقيقة وواقعًا هي ” المبدأ الأساسي الذي يفرق بين السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) ويضع آليات للمساءلة والرقابة بينها لمنع الاستبداد”. بينما يرى آخرون أن “الدولة منظومة متطورة في الاجتماع البشري، تضم غالبًا قبائل وأعراقًا وطوائف تعيش في بقعة واحدة، ويمثلها نظام سياسي واحد يدير الإقليم الذي تقيم عليه.

الدولة هنا مؤسسة تمثل آخر ابتكار بشري لإدارة شؤون المجتمعات في إطار الكيان السياسي المعبر عنه بالوطن، الذي بدأ يترسخ ليصبح الهوية الأولى للمنتمين إليه”.

الباحث (جوان جمال) يتحدث عن مفهوم الدولة فيقول ” ما نقصده هنا هو مفهوم الدولة الحديثة وما تحويه من مقومات لاعتبارات الدولة من حيث” الأرض – الشعب – السلطة” إضافة للاعتراف الدولي والذي يشكل المقوم الرابع في مفهوم الدولة الحديثة.

إن إيجاد تعريف واحد لمفهوم الدولة هو صراع إيديولوجي إلى حد بعيد كون التعاريف المختلفة ناتجة عن نظريات مختلفة لوظيفة الدولة، مما يولد استراتيجيات سياسية ونتائج مختلفة. فمصطلح “الدولة” يشير إلى مجموعة من النظريات المختلفة والمترابطة والمتداخلة في كثير من الأحيان، حول مجموعة معينة من الظواهر السياسية.

تبنى المفكر الألماني” ماكس فيبر” تعريفها بأنها “منظمة سياسية إلزامية مع حكومة مركزية تحافظ على الاستخدام الشرعي للقوة في إطار معين للأراضي، لحفظ المصلحة العامة.”

موسوعة” لاروس” الفرنسية تتبنى تعريفًا آخر للدولة بأنها “مجموعة من الأفراد الذين يعيشون على أرض محددة ويخضعون لسلطة معينة “.

في حين يرى فقهاء القانون الدستوري بأن الدولة “كيان إقليمي يمتلك السيادة داخل الحدود وخارجها، ويحتكر قوى وأدوات إكراه”.

 (عبد الله الأشعل( يرى حسب بحثه العميق في ذلك أن ” الدولة هي الوحدة القانونية والسياسية التي تتكون من ثلاثة عناصر وثلاثة أجهزة أو سلطات. أما عناصر الدولة فهي الإقليم والشعب والسلطة، وفي أحيان معينة يكون الاعتراف بالدولة عند نشأتها من العدم مثل إسرائيل، أو عند نشأتها بالانفصال، مثل جنوب السودان أو كوسوفو، التي انفصلت عن الاتحاد اليوغوسلافي الذي تفكك إلى جمهوريات مستقلة أبرزها الصرب. ولم تنفصل كوسوفو عن جمهورية الصرب نفسها كما كانت الصرب تدعي في بداية الانفصال”.

عبر الدخول تفصيلًا ضمن هذا الحيز يجد الأشعل أن “سلطات الدولة الثلاث هي التشريعية والتنفيذية والقضائية، وكانت الصحافة تلقب بالسلطة الرابعة على سبيل المجاز المستحيل تحقيقه في دول غير ديمقراطية حتى ظن الصحفيون فعلًا أنهم سلطة في مواجهة السلطات الأخرى، وهم في الدول المتخلفة لسان الحاكم وصوته، ومن يتجرأ على غير ذلك فإن مصيره الفصل أو السجن أو قصف القلم والمنع من الكتابة، لأن السلطة التنفيذية عادة يغلب عليها العنصر الأمني أو الروح الأمنية التي تضع نفسها رقيبًا حارسًا لمصلحة المجتمع وضابطًا لإيقاع الوطنية ضد كل صوت حر يوصم بأوصاف جاهزة في كل عصر أقلها تكدير السكينة العامة والعمالة والعمل لمصلحة الخارج المعادي وليس الخارج الحليف.

الحديث عن السلطة والدولة في الحالة الديمقراطية فإن الأشعل  يرى أنه    “في الدولة الديمقراطية توجد عناصر الدولة وسلطاتها، ولكن ممارسة السلطة تتم وفقًا للدستور والقانون الذي يحدد حدود السلطة وأنواعها ومن له الحق في ممارستها. فالبرلمان للتشريع ورقابة الحكومة والحكومة للإدارة وهي التي تظهر أمام الشعب والعالم بأنها تمارس السلطة، ولذلك فكل قراراتها قرارات إدارية يهيمن القضاء بدرجاته وأنواعه المختلفة عليها وفق قوانين واضحة تكفل تحقيق العدالة في الخصومات القضائية وتلتزم الحكومة قبل غيرها باحترام أحكام القضاء بحسن نية، وهو الأمر المعكوس تمامًا في الدول المتخلفة غير الديمقراطية أو الشمولية.” 

في إمكانية أن نميز عبر أدوات الدول وما يمكن ان يتم استعماله في أتونها فإن الدكتور الأشعل يرى كذلك أن “الجيش والشرطة ليسا الدولة في الدول الديمقراطية، لأن الضابط العام لتوزيع السلطة عند الجميع هو الدستور الذي يقدسه الجميع، وهو عقد بين أبناء الشعب يفوض الحاكم بمقتضاه أن يستخدم الجيش للخارج والشرطة للداخل، وإذا مارست الشرطة العنف خارج دائرة القانون كان تصرفها كتصرف العصابة التي تشكلت أصلًا في غيبة القانون وترتبط شرعية استخدام القوة من جانب الشرطة بمدى كفاية غطائها القانوني، وإلا سقطت عنها هذه الشرعية وأصبحت أعمالها عدوانًا إجراميًا على حقوق المواطنين وحياتهم. أما الجيش فمستحيل أن يستخدم في الداخل إلا في الكوارث الطبيعية في الدول الديمقراطية.” 

يمكن القول إن الشرعية سقطت وتسقط بالضرورة عندما تمارس سلطة كسلطة البعث والأسد القمع الفاضح والقتل بالبراميل والكيماوي ضد الشعب السوري خلال 14 عامًا من القهر واستلاب الإنسان لإنسانيته.

الباحث (رائد قاسم) يتساءل أيضًا “هل الديمقراطية والنظام المدني كيان استعلائي مفروض على المجتمع البشري، وهو لذلك يحتاج إلى تنمية وتجديد مستمرَين لكي يبقى، وإلا فإن البيئة البشرية ستعود إلى سيرتها الأولى، وهي هويات ما دون الدولة والنظام الجامع؟

بمعنى آخر: هل يمكن القول إن الديمقراطية نظام عارض غير متوافق مع طبيعة البشر القائمة على الخضوع لسلطة مركزية نافذة لتحيا بأمان واستقرار، وإنها في جوهرها ليست سوى نظام تتحكم به طبقات بورجوازية رأسمالية إمبريالية تمسك بزمام الأمور على الحقيقة، فيما تعيش المجتمعات في إطار هامش محدد منضبط يطلق عليه عرفًا «حريات مدنية»، إلا أن ما تعيشه في الواقع العميق ليس سوى حياة داخل صندوق محكَم الإغلاق؟”

الدولة والسلطة في النظم الاستبدادية

أما في سياقات الأنظمة الاستبدادية، فإن الدولة تتركز في يد حاكم واحد أو فئة قليلة تتحكم في جميع جوانب الحياة من خلال فرض سيطرة مطلقة على السياسة والإعلام والجيش، دون وجود حقوق سياسية أو مدنية للشعب. أما السلطة فهي مستبدة، تُفرض بالقوة والترهيب، وتستهدف خدمة مصالح الحاكم أو فئته، وتقمع المعارضة بشدة. 

وهل للدولة في النظم الاستبدادية من خصائص يمكن أن تتكئ إليها؟ وفي محضر الإجابة عن ذلك يرى بعض الباحثين أن للدولة في النظم الاستبدادية خصائص تندرج فيما يلي:

  • “تركيز السلطة: تتركز السلطة بشكل كامل في يد فرد واحد أو جماعة صغيرة، مع غياب تام للسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية التي تعمل وفقًا للقانون.
  • السيطرة على المؤسسات: تسيطر الدولة بشكل كامل على مؤسسات المجتمع مثل وسائل الإعلام والأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، وتستخدمها لتعزيز أهدافها وقمع المعارضة.
  • الاستخدام المفرط للقوة: تعتمد الدولة على القوة المسلحة والعنف والترهيب، بالإضافة إلى شبكات سرية من المخبرين، لفرض سيطرتها وقمع أي معارضة أو احتجاج. “

يبرز السؤال أفي المقلب الآخر في الآتي : هل للسلطة من خصائص في النظم الاستبدادية؟ ويبدو أن هناك من يرى أنه أيضًا هناك خصائص للسلطات في النظم الاستبدادية يمكن أن تتحدد وفق ما يلي:” _السلطة المطلقة وغير المحددة: يتمتع الحاكم بسلطة مطلقة وغير مقيدة بالقانون، ويمكنه اتخاذ قرارات تعسفية دون مسؤولية تجاه شعبه.

  • استهداف مصالح فردية: غالباً ما تكون السلطة موجهة نحو تحقيق المصالح الشخصية للحاكم وحاشيته، وليس تحقيق المصلحة العامة للشعب.
  • القمع الشديد للمعارضة: يتم قمع أي معارضة للنظام بشكل قاسٍ، سواء كانت سياسية أو سلمية، ويتم تجاهل الحقوق الأساسية للمواطنين مثل حرية الرأي والتعبير.
  • تزييف المفاهيم: غالبًا ما يتم تزييف المفاهيم الديمقراطية مثل الحرية والاستقرار، ويتم استخدامها لتبرير القمع والتضييق على الحريات. “”

(خيري حمدان) يعتقد من جهته وضمن هذا المعطى أنه في هذا السياق أيضاً، “يمكننا تقديم مثال على ذلك ما قام به النظام السوري من (محاكاة للديمقراطية)، على وقع أنغام البراميل المتفجرة وعمليات القتل المنظمة والعنف الممنهج، لانتخاب صوري للدكتاتور بشار الأسد رئيساً لولاية جديدة لما تبقى من حطام سورية. وقد تنجح أنظمة استبدادية في تأجيل محاولات الانقلاب عليها، والتخلص منها، وأحياناً تأتي هذه المحاولات من حيث تؤتمن، لكن، وفي الملف السوري، يصعب تأويل إجراء انتخابات “ديمقراطية”، في ظلّ هذا التقتيل والتدمير الممنهج. الذي كان، وتشير بيانات وكالة “Global Peace Index”، أخيراً، إلى أنّ سورية (في عهد بشار الأسد) باتت تحتل المرتبة الأولى بشأن ارتفاع معدلات العنف الذي فاق أحداث العنف حتى في أفغانستان، البلد الذي احتل المرتبة الأولى إلى وقت قريب في ممارسة العنف، وتأتي هذه المقارنة في جدول ضمّ 162 دولة حول العالم. وكان عبد الرحمن الكواكبي قد كتب في مؤلفه الشهير طبائع الاستبداد “ولما كان تعريف السياسة بأنه إدارة الشؤون المشتركة بمقتضى الحكمة، يكون بالطبع أول مباحث السياسة وأهمها بحث (الاستبداد)، أي التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى”. ونقرأ في هذا الكتاب، أيضاً، أن كسل الشعوب يفتح شهية الحكام للاستبداد، أمّا الشعوب اليقظة، فتمتلك آليات وقدرات أكبر لردع الحكام، وإن كانوا يتمتعون بمواصفات وطباع استبدادية.”

كما يرى (خيري حمدان) أن ” الأيديولوجيا تعمل كذلك على إيجاد حالة من الانتماء والولاء الأعمى للأنظمة الاستبدادية، أكبر مثال على ذلك النظرية الشيوعية وتطبيقاتها، وكان من الأسهل على المواطن السوفياتي الموت من أجل المجتمع الشيوعي على العيش في كنفه. لذا، سهل تقديم ملايين الضحايا في أثناء الحرب العالمية الثانية، زد على ذلك ما حصدته الأجهزة الأمنية الستالينية باسم التقدم والأممية. لذا، فإن الاستبداد العقائدي يعتبر صعب المراس وقادراً على البقاء، ومواجهة أيّة معارضة محتملة أو مفاجئة، كما حدث في ميدان تيان ان مين في بكين عام 1989“.

يتمظهر دائمًا في جل كتابات المفكرين والباحثين حول الاستبداد والدولة المستبدة وكذلك السلطات المستبدة فإن الاستبداد كما يراه (محمد هلال الخليفي) إذ يقول ” الاستبداد ظاهرة نشأت وتراكمت في تاريخنا الممتد قروناً عديدة، ورغم المحاولات التي جرت هنا وهناك تحاول إصلاح نظام الحكم في بعض الأحيان، وتزيينه في معظم الأحيان؛ إلا أن الاستفراد بالحكم والسيطرة عليه وتوظيفه لخدمة مصالح فردية، مازال جاثمًا وظاهرًا للعيان لا تخطئُه العين المجردة.

ظل مفهوم الطغيان هو السائد في الفكر السياسي الغربي حتى جاء مونتسكيو وأبرز مفهوم الاستبداد، “ولكن الشائع استعمال اللفظين كمترادفين لتلك الصورة القاسية من الحكم الفردي.. ويطلق اصطلاح الطغيان ومقابله على الدول البوليسية برغم وجود قانون فيها، لأن السيادة ليست للقانون بل لإرادة الحاكم..”. بالإضافة إلى ذلك، يميز البعض بين مفهوم الاستبداد ومفهوم الطغيان من زاوية صفتي “القهر والجبر” اللتين يشتمل عليهما مفهوم الطغيان، في حين أن الاستبداد لا يتضمنهما في معناه بالضرورة، “فالاستبداد من حيث هو تصرف غير مقيد وتحكمي في شؤون الجماعة السياسية، يبرز إرادة الحاكم وهواه“.

على هذا الأساس يمكن القول إنه لابد من التمييز بين الدولة والسلطة، كما لابد أن نغوص كثيرًا في ماهية المفهومين ضمن سياقات التطبيق لدى الدولة الديمقراطية، أو الدولة المستبدة، فالعلاقة مرتبطة ضمن انبثاقات وتجليات الاستبداد أو الديمقراطية، ولابد من الفصل بين السلطات وبين أطر الدولة الديمقراطية، اما المستبدة فلابد من العمل على إزاحتها كليًا من أتون الممارسة الفعلية في دولنا وكل دول العالم الناهضة نحو الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *