زكريا ملاحفجي
في المراحلِ المفصليةِ التي تمرُّ بها البلاد، لا تعودُ القضايا السياسيةُ مجردَ نقاشاتٍ نخبويةٍ أو صراعاتٍ على النفوذِ والسلطة، بل تتحوَّلُ إلى قضيةِ وجودٍ ومستقبلٍ ومصيرٍ جماعي. ومن هنا يبرزُ مفهومُ «المستقبلِ المشترك» بوصفِه ضرورةً وطنيةً وأخلاقيةً وإنسانية، لا مجردَ شعارٍ سياسيٍّ أو عنوانٍ إعلاميّ. فالأوطانُ التي أنهكتها الحروبُ والانقساماتُ تحتاجُ اليومَ إلى إعادةِ بناءِ الثقةِ بينَ الدولةِ والمجتمع، وإلى ترسيخِ ثقافةِ المشاركةِ السياسيةِ المسؤولةِ باعتبارِها حجرَ الأساسِ لأيِّ مشروعِ استقرارٍ أو نهضةٍ حقيقية.
إنَّ السياسةَ في جوهرِها ليست معركةً دائمةً على السلطة، ولا ساحةً لتبادلِ الاتهاماتِ والشعارات، بل هي عمليةُ تنظيمٍ لحياةِ الناس، وإدارةٌ لمصالحِ المجتمع، وصناعةٌ لمستقبلِ الدولة. وعندما يُفهمُ العملُ السياسيُّ بهذا المعنى العميق، تصبحُ المشاركةُ السياسيةُ واجبًا وطنيًّا وأخلاقيًّا، وليست مجردَ نشاطٍ موسميٍّ يظهرُ في أوقاتِ الأزماتِ أو الانتخابات.
فالمجتمعاتُ التي تنهضُ وتحققُ الاستقرارَ الحقيقيَّ ليست تلكَ التي يُحتكرُ فيها القرارُ من قبلِ فئةٍ ضيقة، بل المجتمعاتُ التي يشعرُ فيها المواطنُ بأنَّ له دورًا وتأثيرًا ومسؤوليةً تجاهَ وطنِه. والمشاركةُ السياسيةُ المسؤولةُ تعني أن يتحوَّلَ الإنسانُ من متفرِّجٍ على الأحداثِ إلى شريكٍ في صناعةِ المستقبل، ومن ناقلٍ للغضبِ والانفعالِ إلى مساهمٍ في إنتاجِ الوعيِ والحلول.
الحديثَ عن «مشاركةٍ سياسيةٍ مسؤولة» لا يعني فقط تشجيعَ الناسِ على الانخراطِ في الحياةِ العامة، بل يعني قبلَ كلِّ شيءٍ بناءَ ثقافةٍ سياسيةٍ جديدةٍ تقومُ على الوعيِ والحوارِ واحترامِ القانون، وتقديمِ المصلحةِ الوطنيةِ على المصالحِ الفرديةِ أو الفئوية. فالمسؤوليةُ هنا جماعية، تبدأُ من الفردِ ولا تنتهي عندَ الدولة.
إنَّ المشاركةَ السياسيةَ المسؤولةَ تحتاجُ إلى وعيٍ حقيقيٍّ بأنَّ الاختلافَ أمرٌ طبيعيٌّ وصحيٌّ في أيِّ مجتمع. فلا يمكنُ أن يتفقَ الناسُ جميعًا على رأيٍ واحدٍ أو توجُّهٍ واحد، لكنَّ الخطرَ يبدأُ عندما يتحوَّلُ الاختلافُ إلى عداوة، والرأيُ الآخرُ إلى خيانة، والنقاشُ إلى إلغاءٍ وإقصاء. فالأوطانُ القويةُ ليست تلكَ التي تخلو من التنوُّع، بل التي تنجحُ في إدارةِ هذا التنوعِ ضمنَ إطارٍ وطنيٍّ جامعٍ يحفظُ وحدةَ المجتمعِ وكرامةَ الإنسان.
كما أنَّ المشاركةَ السياسيةَ الحقيقيةَ لا تعني الاكتفاءَ بالنقدِ أو الاعتراض، بل تتطلَّبُ أيضًا تقديمَ الحلولِ والمبادراتِ والمساهمةَ في التنميةِ وإعادةِ البناء. فالمجتمعاتُ المتقدمةُ تُقاسُ بقدرتِها على إنتاجِ مواطنٍ يفكِّرُ بمستقبلِ وطنِه أكثرَ من تفكيرِه بمكاسبِه المؤقتة، ويؤمنُ بأنَّ الاستقرارَ لا يتحققُ بالقوةِ وحدها، بل ببناءِ الثقةِ والعدالةِ وتكافؤِ الفرصِ واحترامِ الإنسان.
فبعدَ سنواتٍ طويلةٍ من الحربِ والانقسامِ والمعاناة، لم يعدِ المطلوبُ فقط إعادةَ إعمارِ الحجر، بل إعادةَ بناءِ الإنسان، والثقة، والوعيِ الوطني. لأنَّ أخطرَ ما تتركُه الحروبُ ليس الدمارَ الماديَّ وحده، بل التشوهاتِ النفسيةَ والاجتماعيةَ والانقساماتِ العميقةَ داخلَ المجتمع.
إنَّ سوريا اليومَ بحاجةٍ إلى خطابٍ سياسيٍّ جديدٍ يبتعدُ عن لغةِ الثأرِ والكراهية، ويتجهُ نحوَ المصالحةِ المجتمعيةِ والسلمِ الأهليِّ وإعادةِ ترميمِ العلاقةِ بينَ أبناءِ الوطنِ الواحد. كما تحتاجُ إلى فتحِ المجالِ أمامَ الكفاءاتِ والعقولِ والشبابِ للمشاركةِ في صناعةِ القرار؛ لأنَّ تهميشَ الطاقاتِ الوطنيةِ يُضعفُ الدولةَ ويؤخِّرُ عمليةَ التعافي.
ولا يمكنُ الحديثُ عن مشاركةٍ سياسيةٍ مسؤولةٍ دونَ الحديثِ عن أهميةِ المؤسساتِ والقانون. فالمشاركةُ السياسيةُ الناجحةُ لا تُبنى على الفوضى أو المزاجية، بل على وجودِ مؤسساتٍ قويةٍ تضمنُ الحقوقَ والواجبات، وتمنحُ الجميعَ مساحةً عادلةً للتعبيرِ والمشاركة. فعندما يشعرُ المواطنُ أنَّ القانونَ يحميه، وأنَّ صوتَهُ له قيمة، يصبحُ أكثرَ استعدادًا للمساهمةِ الإيجابيةِ في الحياةِ العامة.
كذلك يتحمَّلُ الإعلامُ مسؤوليةً كبيرةً في تشكيلِ الوعيِ السياسي. فالإعلامُ المهنيُّ الحقيقيُّ يجبُ أن يكونَ أداةَ توعيةٍ وبناء، لا وسيلةً للتحريضِ أو نشرِ الخوفِ والانقسام؛ لأنَّ الكلمةَ قد تبني مجتمعًا، وقد تهدمُه أيضًا.
إنَّ أيَّ مشروعٍ وطنيٍّ ناجحٍ يحتاجُ إلى ثلاثةِ عناصرَ أساسية:
أولها: دولةٌ عادلةٌ وقويةٌ تُطبقُ القانونَ على الجميعِ دونَ تمييز، وتحمي كرامةَ المواطنِ وحقوقَه، وتفتحُ المجالَ أمامَ الكفاءاتِ للمشاركةِ في صناعةِ القرار.
وثانيها: مجتمعٌ واعٍ ومسؤول، يُدركُ أنَّ الحريةَ لا تنفصلُ عن المسؤولية، وأنَّ التعبيرَ عن الرأيِ يجبُ أن يكونَ ضمنَ إطارِ احترامِ الدولةِ والسلمِ الأهليِّ ووحدةِ المجتمع.
أما العنصرُ الثالثُ فهو وجودُ نخبٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ تمتلكُ أخلاقَ المسؤولية، لأنَّ أخطرَ ما يُمكنُ أن يصيبَ أيَّ مجتمعٍ هو تحويلُ السياسةِ إلى تجارةٍ بالأزمات، أو استثمارٍ في الانقسامِ والكراهية.
لقد أثبتتِ السنواتُ الماضيةُ أنَّ التحريضَ الطائفيَّ أو القوميَّ أو المناطقيَّ قد يُحققُ مكاسبَ مؤقتةً لبعضِ الأطراف، لكنهُ يُدمِّرُ مستقبلَ الأوطانِ على المدى البعيد. لذلك فإنَّ المشاركةَ السياسيةَ المسؤولةَ تعني أن نختلفَ دونَ أن نتقاتل، وأن ننتقدَ دونَ أن نهدم، وأن نطالبَ بالإصلاحِ دونَ أن نفقدَ البوصلةَ الوطنية.
وعندما نتحدثُ عن «مستقبلٍ مشترك»، فنحنُ لا نتحدثُ عن شعارٍ إعلامي، بل عن مشروعٍ وطنيٍّ يحتاجُ إلى بناءِ الثقةِ بينَ الدولةِ والمجتمع، وبينَ مكوِّناتِ المجتمعِ نفسِه. والثقةُ لا تُفرضُ بالقوة، بل تُبنى بالصدقِ والعدالةِ والشفافيةِ واحترامِ الإنسان.
كما أنَّ المشاركةَ السياسيةَ المسؤولةَ لا تقتصرُ على السياسيينَ وحدهم، بل تشملُ الشبابَ، والمرأةَ، والمثقفين، ورجالَ الدين، والإعلاميين، ورجالَ الأعمال، وكلَّ فئاتِ المجتمع. فكلُّ فردٍ يمتلكُ دورًا في صناعةِ الاستقرارِ أو الفوضى، في نشرِ الوعيِ أو التحريض، وفي بناءِ الجسورِ أو تكريسِ الانقسام.
ومن الضروريِّ أيضًا إدراكُ أنَّ بناءَ الإنسانِ يجبُ أن يسبقَ بناءَ الحجر؛ لأنَّ التنميةَ الحقيقيةَ لا تُقاسُ فقط بالطرقِ والمباني والاستثمارات، بل بصناعةِ عقلٍ واعٍ وإنسانٍ قادرٍ على الحوارِ والعملِ والإبداعِ وتحملِ المسؤولية.
لقد آنَ الأوانُ للانتقالِ من ثقافةِ: «من ينتصرُ على من؟» إلى ثقافةِ: «كيفَ ننجو جميعًا؟». لأنَّ الأوطانَ حينَ تنهارُ لا ينجو أحد، وحينَ تستقرُّ يستفيدُ الجميع.
وفي الختام، فإنَّ المشاركةَ السياسيةَ المسؤولةَ ليست ترفًا فكريًّا، بل ضرورةٌ وطنيةٌ لحمايةِ الدولةِ والمجتمعِ معًا، والطريقُ الحقيقيُّ نحوَ مستقبلٍ مشتركٍ يقومُ على الاحترامِ والثقةِ والعدالةِ والشراكةِ الوطنية. فالأوطانُ لا تُحمى بالشعاراتِ وحدها، بل بالوعيِ والمسؤوليةِ والعملِ الصادق، وبقدرةِ أبنائِها على تحويلِ الاختلافِ إلى تنوُّع، والأزماتِ إلى فرص، والمعاناةِ إلى بدايةٍ جديدةٍ لبناءِ وطنٍ أكثرَ استقرارًا وعدالةً وإنسانية.
د. زكريا ملاحفجي

