أ. ثريا بشماف
تواجه المجتمعات الخارجة من مراحل الصراع أو التحول السياسيّ تحدياً مركزياً يتمثّل في كيفية المواءمة بين توسيع فضاء الحريات العامة وبين بناء القدرات المؤسسية والمجتمعية اللازمة لاستيعاب هذه الحريات.. وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في الحالة السورية، حيث تتقاطع تطلّعات المجتمع نحو مزيد من المشاركة والحقوق مع الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الاستقرار، ومن هنا تكتسب دراسة الدور المرحليّ للسلطات السياسية أهمية خاصة باعتباره وظيفة تاريخية تهدف إلى إدارة الانتقال من حالة الاضطراب إلى حالة التنظيم السياسيّ والاجتماعيّ المستدام، لا كدور سلطويّ تقليديّ فحسب..
وتُظهر قراءة التاريخ السياسي للحضارات أن الاستقرار كان دائماً شرطاً ضرورياً لازدهار الحرية، وإن لم يكن شرطاً كافياً لها. ففي كتابات وِل ديورانت، ولا سيما في تأريخه لمسار الحضارات، تتكرر الفكرة القائلة أنّ النظم السياسية لا تُقاس بمثاليتها النظريّة قدر ما تُقاس بحفظ التماسك الاجتماعيّ وتأمين شروط التطور الحضاري، فالحضارات، وفق هذا المنظور، لا تنهض بالشعارات وحدها، وإنما تنهض عبر بناء مؤسسات قادرة على تحويل المبادئ إلى واقع عملي. وانطلاقاً من ذلك يمكن النظر إلى السلطة السياسية في المراحل الانتقالية باعتبارها مسؤولة عن بناء الأرضية التي تسمح للحريات بأن تتحوّل إلى ممارسة اجتماعية مستقرة وليست مجرد مطالب مجرّدة..
ومن زاوية أخرى، قدّم نيكولو مكيافيلي فهماً مختلفاً لوظيفة السلطة السياسية في لحظات التحول التاريخيّ، فعلى الرغم من الصورة الشائعة التي تختزل فكره في تبرير القوة، فإن جوهر مشروعه السياسي يتمحور حول قدرة الدولة على الحفاظ على وحدتها ومنع الفوضى. فالدولة الضعيفة، في نظره، لا تستطيع حماية القانون ولا ضمان الحقوق، ومن ثم فإن السلطة المرحلية مطالبة أولاً ببناء القدرة على إدارة المجال العام وصيانة المؤسسات، لأن الحريّة نفسها تصبح عرضة للتآكل عندما تغيب الدولة القادرة على حمايتها..
ومع ذلك، يمكن توجيه ملاحظة نقديّة إلى هذا التصور تتمثل في أن مكيافيلي ركّز بصورة أساسية على فعالية السلطة وقدرتها على تحقيق الاستقرار، أكثر مما ركّز على البُعد الأخلاقيّ والروحيّ الذي يمنح السلطة مشروعيتها العميقة. فنجاح الدولة لا يتوقف على الكفاءة السياسية وحدها، وذلك لأنه يحتاج أيضاً إلى ما يمكن تسميته بـ(التزكية الخالصة)، أي ترسيخ منظومة من القيم الأخلاقية والنزاهة والمسؤولية العامة التي تجعل ممارسة السلطة مرتبطة بخدمة الصالح العام لا بمجرد الحفاظ على القوة. ولعلّ ابتعاد مكيافيلي عن هذا المنظور القيميّ في تقييمه للعمل السياسيّ جعله أقل اهتماماً بالدور التربويّ والأخلاقيّ للسلطة في بناء المواطن والمجتمع، وهو جانب لا تقل أهميته عن بناء المؤسسات وحماية الاستقرار، كتشكيل بُعد لهذه الوظيفة..
إلّا أن التركيز على الاستقرار وحده لا يكفي لبناء نظام سياسيّ حديث، وهنا تبرز أهمية أطروحات يورغان هابرماس حول الحداثة والمجال العام. فهابرماس يرى أن مشروعية السلطة تنبع من قدرتها على إنتاج تواصل عقلاني بين المواطنين والمؤسسات، لا من القوة أو الإجراءات القانونية..
وتتمثل الحداثة السياسية، وفق هذا التصوّر، في توسيع دائرة المشاركة العامة وإتاحة المجال للنقاش الحر الذي يسمح بتكوين إرادة جماعية واعية. لذلك فإن بناء المؤسسات لا ينبغي أن يكون على حساب الحريات قدر ما يجب أن يرافقه توسيع تدريجيّ للمجال العام وتعزيز ثقافة الحوار والمواطنة السليمة..
وفي هذا السياق تبرز أهمية التمييز بين الحريات كحقوق قانونيّة وبين الحريات كقدرات فعليّة، فامتلاك الحق لا يعني بالضرورة القدرة على ممارسته. وقد أوضحت النظريات المعاصرة للقدرات أن الحرية الحقيقية تتطلب وجود تعليم فعّال، وإعلام مهنيّ، ومؤسسات مستقلة، وثقافة مدنية تسمح للأفراد بالمشاركة الواعية في الحياة العامة، ومن دون هذه الشروط قد تتحول الحريات إلى أدوات للصراع والاستقطاب بدلاً من أن تكون وسائل للتنمية السياسية والاجتماعية..
وبالعودة إلى الحالة السورية، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية متوازنة تتجنب طرفيّ النقيض، فمن جهة، لا يمكن تبرير تقييد الحريات بحجة عدم جاهزية المجتمع بصورة دائمة، لأن ذلك يؤدي إلى إعادة إنتاج السلطوية، ومن جهة أخرى، فإن إطلاق الحريات بمعزل عن بناء القدرات المؤسسية والمجتمعية قد يؤدي إلى إضعاف المجال العام وتعميق الانقسامات. لذلك فإن الدور المرحلي للسلطات السياسية يتمثل في إيجاد مسار تراكميّ يربط بين توسيع الحريات وتعزيز الإمكانات المجتمعية في آن واحد..
إن التحدي الحقيقي يكمن في بناء علاقة تكاملية بين الحرية والاستقرار، فالاستقرار الذي لا يفضي إلى توسيع المشاركة السياسية يتحول إلى جمود، والحرية التي لا تستند إلى مؤسسات وقدرات مجتمعية تتحول إلى هشاشة. ومن ثم فإن نجاح أي مشروع سياسيّ في سوريا يرتبط بمدى قدرة السلطات على إدارة هذه المعادلة الدقيقة، عبر بناء مؤسسات قوية ومشروعة، وتوسيع المجال العام، وتعزيز قدرات المجتمع على ممارسة حقوقه بصورة مسؤولة وفعّالة..
وفي الختام، يمكن القول إن الدور المرحليّ للسلطات السياسية في سوريا ينبغي أن يُفهم كعملية تاريخية تهدف إلى التوفيق بين مقتضيات الاستقرار ومتطلبات الحرية. فالتجارب التاريخية التي رصدها ويل ديورانت، وحتى الرؤية الواقعية للدولة عند مكيافيلي، ومشروع الحداثة التواصليّة عند هابرماس، تلتقي جميعها عند حقيقة أساسية مفادها أن الحرية المستدامة لا تزدهر إلا داخل مجتمع يمتلك مؤسسات قادرة ومجالاً عاماً حيوياً وثقافة سياسية تؤمن بالحوار والمسؤولية..
وفي ضوء هذا التحليل، يمكن الخروج بإطار نظريّ جامع يمكن تسميته بـمصفوفة التمكين الحضاريّ الثلاثيّة، وهي صياغة مفهومية تقوم على تداخل ثلاثة أبعاد متكاملة تشكّل معاً شروط الاستقرار السياسيّ والتطور المجتمعيّ، بُعد القدرة المؤسسية التي تحفظ الدولة وتضمن فاعلية سلطتها، وبُعد الحرية المجتمعية التي تؤسس لمجال عام حيّ يعبّر عن الإرادة الجماعية ويعيد إنتاج الشرعية، وبُعد المسؤولية الأخلاقية التي تمنح الفعل السياسي معناه الإنساني وتضبطه بقيم الجماعة والصالح العام..
ويمثّل مثلث العمران السياسيّ منظومة تفاعلية متوازنة تقوم على تكامل الدولة القادرة والمجتمع الحر والإنسان المسؤول، حيث لا يكتمل أي ضلع دون الآخر..
وإن هذه المصفوفة لا تفترض أولوية أحد الأبعاد على الآخر، لأنها تؤكد على ترابطها الجدليّ، إذ لا يمكن للقدرة أن تستمر دون شرعية، ولا للحريّة أن تزدهر دون مؤسّسات قادرة، كما أن كليهما يفقدان بُعدهما الإنسانيّ ما لم تُؤطرهما منظومة قيميّة راسخة، ومن ثمّ فإنّ فهم الدور المرحليّ للسلطات السياسية في السياق السوريّ لا يكتمل إلا عبر استيعاب هذا التوازن الثلاثيّ بوصفه شرطاً لبناء دولة مستقرة، ومجتمع حرّ، وإنسان مسؤول في آنٍ واحد..
وانطلاقاً من مفهوم هذا المفهوم، فإن العلاقة بين الدولة القادرة والمجتمع الحر والإنسان المسؤول علاقة تكاملية وجدلية يتوقف استقرار كل ضلع فيها على سلامة الضلعين الآخرين، فالقدرة المؤسسية لا تكتسب مشروعيتها إلّا من مجتمع يشارك في إنتاجها والرقابة عليها، والحرية لا تتحوّل إلى قوة بنّاءة إلا حين تستند إلى مؤسسات قادرة على حمايتها وتنظيمها، أما المسؤولية الأخلاقية فتمثل البعد القيميّ الذي يمنح كلاً من السلطة والحرية غايتهما الإنسانية ويحول دون انزلاقهما نحو الاستبداد أو الفوضى. ومن ثمّ فإن فهم الدور المرحلي للسلطات السياسية في السياق السوري لا يكتمل إلا من خلال استيعاب هذا التوازن الثلاثي بوصفه شرطاً ضرورياً لتحقيق العمران السياسي، أي بناء دولة مستقرة في مؤسساتها، حرة في فضائها العام، وأخلاقية في منظومة القيم التي تضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع والإنسان..
ومن هنا يمكن القول إن مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في سوريا يرتبط بمدى القدرة على تحقيق هذا التوازن الثلاثي وتحويله من فكرة فلسفية إلى ممارسة مؤسسية وثقافة عامة، أما الكيفية العملية لترجمة هذا المثلث إلى سياسات وآليات قياس ومؤشرات أداء، فذلك ما يستدعي بحثاً مستقلاً يتناول البُعد التطبيقيّ لمفهوم (مثلث العمران السياسيّ)..

